الأنباء عن مظلة نووية أمريكية لحماية الدولة العبرية ودول أخرى في المنطقة، تثير انطباعات شتى. أولها أن إدارة الرئيس المنتخب أوباما شرعت في وضع استراتيجية خاصة بها تقوم على الافتراق عن مخططات ورؤى الإدارتين السابقتين الجمهوريتين. ففيما ضغطت إدارة بوش في ولايتيه لمنع امتلاك طهران قدرات نووية، فإن الإدارة الجديدة تتجه للحوار مع طهران من جهة، وللتسليم بقدرات نووية إيرانية من جهة ثانية، وهو ما يفسر المظلة المزمعة والمقصود بها تعظيم القدرات الدفاعية في حال توجيه ضربة نووية إيرانية. وهو تطور بالغ الأهمية إذا ما قيض له الثبات.
صحيفة هآرتس كشفت عن هذه الخطة الأمريكية، في عددها الأربعاء الماضي، العاشر من ديسمبر/ كانون الأول الجاري. وأظهر تقرير لها عدم رضى الاستخبارات العسكرية، عن خطة كهذه تقوم أساساً على التسليم الضمني لكن الفعلي بإيران دولة نووية. وباستعادة تصريحات ومواقف أوباما في حملته الانتخابية، وتركيزه على حصر التورط بخوض الحرب بأفغانستان دون سواها، وهو ما نال عليه ثقة الناخبين، فإن التسريبات عن الخطة الجديدة تجد بذلك بعض الصدقية والفرص، خاصة بعد تحسن موازين الكونجرس لمصلحة نفوذ الديمقراطيين. لكن بالطبع من دون استبعاد ضغوط المحافظين واللوبي الصهيوني والدولة العبرية ذاتها، من أجل إدخال تعديلات على الخطة يراد بها وضع الملف النووي الإيراني في مقدم الأخطار التي تهدد تل أبيب وواشنطن معاً، بحيث يصبح التصدي لهذا الخطر لا مجرد احتوائه، هو المهمة الأولى.
في جميع الأحوال، فإن هذا الملف بات يتكرس كأولوية إلى جانب ملف مكافحة الإرهاب. وهو ما يضع منطقتنا العربية أمام تحديات جديدة وثقيلة. فقد لحظت الخطة المذكورة، وضع دول عربية في دائرة الحماية من مخاطر نووية داهمة من الجار الإيراني، حتى لو كان المستهدف المفترض هو الدولة العبرية حصراً. عليه فإن دولاً عربية تصبح محل حماية وفق الخطة، لكن من دون أن يتاح لهذه الدول مناقشة الخطة، أو بسط رؤيتها لمخاطر أسلحة الدمار الشامل التي تهدد المنطقة. وهو ما يستحق وقفة بشأنه. فقد أخفقت المجموعة العربية في اجتذاب تأييد يذكر لوضع هذه القضية في إطارها الشامل، وهو السعي لإخلاء المنطقة من هذه الأسلحة، ولم يجر التمسك بهذا المطلب الجوهري على الدوام، الأمر الذي جعل المخاطر مُشرعة من دون ضابط أو كابح، وفتح الباب أمام التسابق النووي مع ما لذلك من تداعيات سياسية. فهذا التسابق يقوي من شوكة المتسابقين ويوطد نفوذهم ويسبغ عليهم الهيبة، ويحول دون تدخل المتدخلين واعتراض المعترضين، ويضع الأطراف في سياق تصنيف بين دول ذات قدرات نووية وأخرى ذات قدرات تقليدية.
من المفارقات في هذا الشأن، أن المجموعة العربية تتعرض في الأصل لمخاطر أسلحة وقدرات تقليدية متطورة تمتلكها دول الجوار غير العربية، ناهيك عن دول أخرى ذات نفوذ غير مجاورة. والآن فإن دول المنطقة تجد نفسها أمام مخاطر متعاظمة في ظل تسابق نووي، فيسعى هذا الطرف أو ذاك لعرض خطط للحماية من الطرف الآخر، مع ما لذلك من ثمن سياسي واجب الوفاء به يغني عن كل بيان.
وبينما يوفر صعود الرئيس المنتحب أوباما فرصة لإدارة حوار عربي - أمريكي، على أسس المصالح الهائلة المتبادلة وبروحية جديدة لا تقوم على المناشدات وإثارة النخوة الأمريكية فحسب، بل على التمسك الحازم بالحقوق، وتحميل الإدارات السابقة في واشنطن صراحة مسؤولية التدهور في منطقتنا، فإن هذه الفرصة تتطلب إطلاق دينامية جديدة تقوم على الثقة بالنفس والإيمان بوزن الكتلة العربية، وحاجة الولايات المتحدة للصداقة العربية، وكمدخل لتحسين الصورة الأمريكية في العالم التي تشوهت ابتداء وأولاً في منطقتنا.
الحوار المطلوب لا بد أن يشمل ملف التسابق النووي على تخوم منطقتنا لملاقاة الانشغال الأمريكي بهذا الشأن، مع ربطه بتحديات إحلال السلام وإنهاء احتلال الأراضي العربية، وإحلال مناخ جديد تنصرف فيه الدول العربية للتنمية وإشاعة الديمقراطية بما يضع جواباً لمعضلة التطرف الذي يتغذى من الاختلالات السياسية والاجتماعية، ومن تغول الدول ذات النفوذ والأطماع. وسوى ذلك فإن المنطقة مهددة في حال استمر التسابق النووي وتم الإقرار به كأمر واقع، ورفض الدولة العبرية الانسحاب من الأراضي المحتلة، لأن تتحول إلى منطقة أزمات مقيمة ومستفحلة، أسوأ مما هي عليه الحال في شبه القارة الهندية حيث تمتلك الهند وباكستان قدرات نووية تتيح لهما التناطح الى ما لا نهاية بأسلحة تقليدية وبإرهاب متبادل.