تجنباً لاستخدام مصطلح السَّرْنَمة الذي قد يبدو إيقاعه غريباً على الأذن، دخلنا إلى هذا البيت من النافذة وليس من الباب . والسائرون نياماً قد يرتطمون بجدار أو يسقطون عن الحافة إذا لم يكونوا محظوظين بساهر يوقظهم، ويدلهم على الطريق أو يعيدهم إلى النوم، والسّرنمة بهذا المعنى تكون مؤقتة، وربما للحظات فقط، لكن ما إن تتحول من حالة نفسية إلى مرض سياسي، حتى تصبح مزمنة وعلى مدار اللحظة وليس الساعة فقط .

والسائر في نومه لا يدرك ما الذي يفعله بنفسه أو بالآخرين إذا ارتطم بهم، فهو مُسيّر وليس مُخيّراً، وعليه إذا لم يقدر له الشفاء من السّرنمة أن يقبل النتائج، وهي على الأغلب غير سعيدة على الإطلاق، وهناك فترات في حياة الأمم والشعوب يسود فيها أحد مَرَضيْن أو كلاهما، السّرنمة والتنويم المغناطيسي، لكن ليس بأدوات ومهارات المشتغلين في السايكولوجيا أو الباراسايكولوجيا، بل بحنكة المشتغلين في السياسة وشجونها وألاعيبها، فمن يجازف بتوريط نفسه في هذا الحقل المملوء بالالغام والكمائن، عليه أن يقبل باتساخ أصابعه كما قال جان بول سارتر، لأنه لا يدسّها في مناديل حريرية، أو أقفاص عصافير الحب، بل في الجحور التي يُلدغ منها مراراً، ثم يعود إليها كي يلدغ من جديد، ليس لأنه ملقح ضد السّم بل لأن هذه المهنة بحد ذاتها سامة .

فثمة تكوينات نفسية ووجدانية لا تصلح للسياسة على الإطلاق، وإذا حدث أن تورطت فيها، فهي سرعان ما تكون الضحية، وهناك شخصيات سياسية وثقافية منهم شعراء وكتاب أدركوا قبل فوات الأوان أحياناً، وبعده في معظم الأحيان، أن هذا الطريق ليس طريقهم .

هذا ما فعله ليوبولد سنغور الشاعر الإفريقي المتألق الذي سمي في فرنسا التي يكتب بلغتها أورفيوس الأسود، ثم كرره جوليوس نيريري الذي انبثق اللون الأخضر من سواد جلده، لفرط اقترابه من الطبيعة، وأخيراً هافيل الذي أدرك بأن كتابة المسرح ليست كالمشاركة في تمثيله على الخشبة، هؤلاء وأمثالهم ساروا نياماً لبعض الوقت، وما إن ارتطموا بجدار أو اقتربوا من الحافة حتى صحوا، وقرروا بعد ذلك النوم باستغراق حتى ساعة متأخرة من النهار .

كيف يمكن لإنسان يقضي معظم العمر وهو يسير نائماً، أن يعي ما حوله وأن يراجع خطواته، ويفحص ما صدر عنه ليغربل القمح من الزؤان؟

عصرنا الذي وصفه معظم مفكريه بأنه عصر الامتلاك لا الحرية أو الكينونة، وفيه يهرب الناس من الحرية حتى عندما تتاح لهم، خوفاً من أعباء المسؤولية، لم تعد فيه الأمراض التقليدية من نصيب نسبة قليلة من الأفراد، فالشيزوفرنيا أو الازدواجية في الشخصية تحولت إلى وباء، وكذلك التزمّت الأيديولوجي واحتكار الحقائق، وإلى أن يدرك الناس خسائرهم بسبب السَّرنمة السياسية والأخلاقية، سيكون مجال الاستدراك قد ضاق وأوشك على التلاشي، والمفارقة هي أن السائر في نومه يحتاج دائماً إلى من يوقظه ويذكره بحالته .