بين أروقة التاريخ المعاصر وبناء مسارات المستقبل، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة كصائنة وحارسة أمينة للتراث الإنساني، لا انطلاقاً من ترف ثقافي، أو استعراض عابر، بل التزام أصيل بالمرتكزات الاستراتيجية التي صاغتها قيادتنا الرشيدة في «وثيقة مبادئ الخمسين»، لاسيما المبدأ الثامن الذي يؤكد أن «منظومة القيم الأساسية في الدولة ستبقى قائمة على الانفتاح والتسامح، وحفظ الحقوق، وترسيخ دولة العدالة، وحفظ الكرامة البشرية، واحترام الثقافات، إلى جانب ترسيخ الأخوّة الإنسانية واحترام الهوية. من هذا المنطلق الفكري، تتبنى الإمارات دبلوماسية ثقافية واعية، تؤمن بأن حماية الذاكرة العالمية واجب أخلاقي يتجاوز حدود الجغرافيا، وصراعات السياسة، وضيق الأيديولوجيا، ليكون ركيزة أساسية للسلام والاستقرار الدوليين.
ويتجسد هذا الدور اليوم بشكل ملموس في التوجيهات الكريمة التي أصدرتها سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، «أم الإمارات»، رئيسة الاتحاد النسائي العام، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، الرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، بترميم وصون الجامع الأموي الكبير في دمشق. هذا التوجيه الذي تصدّر المشهد الثقافي يحمل في طياته دلالات حضارية بالغة العمق، فالجامع الأموي ليس مجرّد بناء من حجر، بل هو شاهد حي على قرون من المجد الحضاري، العربي والإسلامي، وجاءت هذه اللفتة الكريمة لتعيد النور لواحد من أهم الرموز التاريخية في قلب الشام، وتؤكد أن صون الذاكرة العربية هو نهج إماراتي مستدام عابر للحدود والظروف.
إن هذا التوجيه لسمو «أم الإمارات» يأتي امتداداً طبيعياً لسلسلة طويلة من العطاء التاريخي الذي أسس ملامحه الوالد المؤسس، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، حين سارعت أياديه البيضاء في عام 2004 إلى إصدار توجيهات تاريخية لإعادة ترميم قبّة الصخرة، والمباني المحيطة بها، في حرم المسجد الأقصى، بعد تعرّضها لأضرار جسيمة، بجانب المشاريع الإماراتية المستمرة لترميم وصون الآثار الإسلامية والقبطية النادرة في جمهورية مصر العربية، ودعم المراكز الفكرية العريقة، كدار الكتب والوثائق القومية، ما يترجم رؤية الدولة في أن حماية التراث المشترك هي مسؤولية قومية وإنسانية كبرى.
كما تجلى هذا الفكر الإماراتي المنفتح والمنحاز للإنسان وتنوّعه بأبهى صوره، في المبادرة الاماراتية لإعادة إعمار مدينة الموصل العراقية تحت شعار «إحياء روح الموصل»، بالتعاون مع منظمة اليونسكو. في هذا المشروع الاستثنائي، لم تكتفِ سواعد الإمارات بإعادة بناء جامع النوري، ومئذنته «الحدباء» التاريخية التي فجّرها ظلام الإرهاب، بل امتدت بروح التسامح الحقيقي وبذات الاهتمام والتمويل لإعادة بناء وترميم كنيستي «الطاهرة»، و«الساعــــة» الأثريتيـن. هـــذا التوازن الإماراتي الفريد يرسخ رسالة للعالم أجمع، أن التعايش ليس شعارات تُرفع، بل هو واقع يُبنى على الأرض، حيث تلتقي مآذن المساجد بأجراس الكنائس لتستعيد المدن هويتها المتنوعة، وتلتئم جراح النسيج الاجتماعي للشعوب التي عانت ويلات الفكر الإقصائي.
وفي ذات السياق الحضاري، لا تكتمل هذه المنظومة الريادية من دون الحديث عن الدور الاستثنائي والجهود المباركة التي يقودها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة. حيث يمثل سموه نموذجاً عالمياً فريداً لـ«المثقف الحارس» للتراث الإنساني والمخطوطات النادرة، حيث امتدت بصمات سموه لترميم المتاحف والمباني الأثرية والمراكز الثقافية حول العالم، بدءاً من ريف مصر، وصولاً إلى قلب العاصمة الفرنسية باريس، عبر دعم معهد العالم العربي، إضافة إلى جهود سموه الشخصية والمستمرة في إنقاذ وإتاحة المخطوطات والوثائق النادرة للبشرية جمعاء، ما جعل من دولة الإمارات عاصمة دولية للكتاب والمعرفة، وحصناً منيعاً لحماية الفكر الإنساني من الضياع والاندثار.
وهنا يبرز مفترق طرق حضاري وسياسي واعد، لا يمكن لأيّ عين منصفة أن تخطئه في مشهد المنطقة اليوم؛ ففي الوقت الذي تكرس فيه الإمارات طاقتها، وعقولها، وثرواتها لحماية الهوية التاريخية للشعوب، وصناعة الغد المشرق عبر مشاريع علمية وتنموية عملاقة تخاطب المستقبل، نجد في المقابل مشاريع إقليمية مضادة وهدّامة تقودها إيران بأيديولوجيتها التخريبية. هذه المشاريع الإيرانية لا تكتفي باستهداف الحاضر عبر ميليشياتها، بل تحاول جاهدة تدمير المستقبل، واغتيال الأمل العربي، عبر اعتداءاتها وهجماتها الإرهابية الممنهجة التي حاولت مراراً استهداف المنشآت الحيوية والتنموية في المنطقة، وآخرها الإعتداء الارهابي الغاشم على محطة «براكة» للطاقة النووية السلمية. إنه صراع قيمي واستراتيجي واضح بين نهج إماراتي يبني ويصون التاريخ ويصنع المستقبل، ونهج إيراني يهدم الأوطان ويسعى لنشر الظلام والخراب، وتهديد مقدرات الأجيال القادمة.
إن الانطلاق من ترميم قبّة الصخرة، مروراً ببناء جامع النوري وكنائس الموصل، وصولاً إلى ترميم الجامع الأموي ومخطوطات الشارقة، بموازاة حماية مشاريع المستقبل التنموية، يؤكد للعالم أجمع أن رسالة الإمارات ليست مجرّد إعادة بناء للحجر، بل هي معركة، ثقافية وفكرية وسياسية، صلبة، ضد قوى التطرف، والجهل، والظلام. إنها رسالة سلام وبناء تنبع من مسؤولية حضارية تاريخية لإعادة الأمل إلى الشعوب، ومحو آثار الدمار، والتأكيد على أن الهوية الإنسانية المشتركة قادرة دائماً على النهوض من بين الركام لتصنع مستقبلاً آمناً ومزدهراً يسع الجميع.
