العراق، هذا البلد العظيم، بلاد ما بين النهرين، بلاد الرافدين، الضارب عميقاً في الحضارة البشرية منذ ما يزيد على ثمانية آلاف عام تأسست خلالها ممالك وإمبراطوريات ودول وحضارات امتدت إلى أبعد من حدود العراق الحالي وأثرت تأثيراً إيجابياً مباشراً في الحضارة الإنسانية كما لم تؤثر أية حضارة أخرى .

العراق هو موطن حمورابي الملك صاحب القانون الذي يحمل اسمه، وكذلك مسقط رأس أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، ونبوخذنصر الثاني صاحب الحدائق المعلقة إحدى عجائب الدنيا، وقد مر على العراق حضارات مهمة عديدة، من السومرية الى الأكادية والبابلية والآشورية والكلدانية إلى المناذرة وغيرهم، إلى زمن الإسلام وتأسيس الدولة العربية الإسلامية (الخلافة) من عهد الراشدين والخلافة الأموية إلى انتقال الخلافة في العصر العباسي إلى بغداد، وما أسست له من ازدهار كبير تعاظم في عصر هارون الرشيد، وبيت حكمة ابنه المأمون بما أسس له من اهتمام كبير بكافة العلوم والترجمات، وقد رافق ذلك العصر وما تلاه من ازدهار اجتذب العلماء في ميادين مختلفة مثل الطب والفلك وشتى العلوم والمعارف .

هذه إضاءة سريعة على حضارة عظيمة أسهمت في بناء الحضارة الإنسانية، ومع ذلك فهذه الحضارة العظيمة لم تسلم دوماً من عبث العابثين، فبعد أن اجهز هولاكو على ما تبقى من الخلافة العباسية، عاثت جحافل جيشه دماراً وتقتيلاً لا مثيل لهما . ثم جاء بعده تيمورلنك الذي قضى على ما لم يستطع سلفه القضاء عليه، ثم تلاهما التركمان والصفويون إلى حين استقرار الحكم العثماني في المنطقة في القرن السادس عشر .

هذا تسلسل مختصر عن فترات من تاريخ العراق وحضارته العظيمة، سنتجاوز بعض الفترات اللاحقة حتى لا تأخذنا عظمة هذا التاريخ بعيداً عن الهدف الذي استفز معالجتنا للمسألة العراقية اليوم بعدما دمرت حرب العام 2003 العراق حضارة وتاريخاً وإنساناً، من خلال التدمير الشامل للدولة العراقية وتنظيم سرقة تاريخها وحضارتها مباشرة بعد سقوط بغداد في التركيز على المتاحف والأرشيف الحضاري والوطني ومراكز الوثائق التاريخية، وهذا ما يضع علامة استفهام كبرى على الهدف الحقيقي لهذه الحرب، هذا إلى جانب المبالغة في تدمير البنية التحتية ونشر العنف والفوضى غير المبررة، وتلك الوحشية التي استخدمتها القوة الغازية ومعها مرتزقة بلاك ووتر في الاستخفاف بأرواح العراقيين والتمادي في قتلهم بدم بارد، مما شكل إهانة للروح البشرية .

يضاف الى ذلك التفجيرات المتلاحقة من قبل أطراف وعصابات متعددة سهلت لها فوضى الاحتلال ارتكاب جرائمها فعاثت قتلاً وتشريداً للأبرياء من دون رحمة، ما دفع أكثر من ربع سكان العراق إلى الهجرة . ومع تضامننا مع معاناة كافة العراقيين إلا أن تفريغ العراق من غالبية مسيحييه يثير قلقاً مضاعفاً، لأن هذا التفريغ يعطي إشارة واضحة إلى خطة مبرمجة لتخريب الهندسة الاجتماعية لهذا البلد المنكوب .

إن حجم الدمار والقتل والإخفاء القسري والاعتقال والتهجير المستمر في العراق من الصعب حصره في ظل هذه الفوضى المستمرة منذ سقوط بغداد عام ،2003 إثر الحرب الأمريكية البريطانية، ولكن الشواهد تثبت بأن التجاوزات لكل الأعراف والقوانين والأخلاق غير مسبوقة في العصر القريب، وأن ماتم تسريبه عن فضائح سجن أبو غريب ثم شريط الفيديو الأخير الذي يصور تلهي الجنود الأمريكيين عام 2007 . وهم في طائرة مروحية بقتل مدنيين عراقيين وكأنهم يقنصون أو يتخلصون من كلاب ضالة، ولو حدث ذلك للكلاب الضالة لهاجت وماجت عليهم جمعيات الرفق بالحيوان، أما هذا المشهد فللأسف لم يثر أية مشاعر تعاطف في الغرب الديمقراطي بشكل جدي . وما خفي من هذه الوحشية لا بد أنه أعظم كثيراً مما أتيح لنا العلم به .

هذه السادية في قتل البشر، والتي عكستها هذه المشاهد المناقضة لكافة الأديان والشرائع والقوانين الدولية، لا بد أن تثير الكثير من الأسئلة عن مبررات هذا العنف وأسبابه وحتى أهدافه المعلنة أو الخفية . وبما أن الهدف من هذه الحرب كان تدمير أسلحة الدمار الشامل في العراق، والتي اتضح عدم وجودها باعتراف خبراء التفتيش الأمميين قبل الحرب، وكذلك اعتراف دولتي التحالف بعد الحرب بتلفيق المعلومات الاستخبارية حول وجود هذه الأسلحة، إذاً لماذا شنت الحرب؟ وهل هناك أسباب أخرى خفية أو ظاهرة؟

الأسئلة كثيرة ولا بد من طرحها، وقد نجيب عن بعضها، وأخرى تحمل إجابتها في قلبها، وليس في قلب الشاعر كما يقال .

الظاهر من الأسباب اثنان . أولهما: القضاء على نظام صدام حسين وأسلحة التدمير الشامل المفترضة، وثانيهما إرساء الديمقراطية وحقوق الإنسان .

* أولاً: وبما أن العراق لم يكن يمتلك أسلحة الدمار الشامل على حد علمهم الأكيد، إذاً ماذا فعل صدام بحق الغرب ليعاقب هو والعراق حضارة وشعباً بهذه الطريقة المهينة للروح البشرية والحضارة الإنسانية؟ صدام، على حد علمنا ومتابعتنا كان حليفاً للولايات المتحدة والغرب بشكل عام، ولم يرتكب جرماً في حقهم، بل ارتكب نظامه الديكتاتوري منذ بداية حكمه نهاية السبعينات، جرائم ضد شعبه، ولم يفرق بين كردي وشيعي أو سني أو مسيحي، وكذلك ارتكب جرائم ضد جيرانه، وخاصة الكويت التي ادعى أنه يعاني من مشكلة معها، فجاء الرد الأمريكي غامضاً أو مورطاً فارتكب حماقته باحتلال الكويت، ومع أنه أجبر على الخروج من الكويت إلا أنه في لحظة يأس ورغبة في كسب الجماهير العربية سهلة التضليل والمتعلقة بقضية فلسطين، أطلق بضعة صواريخ على إسرائيل أحدثت دماراً جزئياً (ولحسن حظ الفلسطينيين لم تسقط على رؤوسهم فتضاعف من مآسيهم ومعاناتهم من القهر الإسرائيلي)، وكان قد سبق احتلال الكويت بتصريحات عنترية بأنه سيحرق نصف إسرائيل بالمزدوج، فإذا كان الانتقام من صدام على فعلته هو الهدف، فقد أسقط نظامه وقتل أبناؤه ومن ثم اعتقل شخصياً ووضع حذاء الجندي الأمريكي على خده الأيمن والأيسر انتهاءً بسجنه ومحاكمته الشكلية السريعة وإعدامه يوم عيد الأضحى المبارك وبالتآمر مع عدة أطراف . أي إذلال وانتقام أكثر تعبيراً من ذلك المشهد؟ أليس ذلك كافياً للثأر من صدام ونظامه؟ الواضح أنه لم يكن كافياً أو أن الهدف لم يكن الثأر الشخصي فقط، فهذا ينهي افتراضياً مسألة الثأر، مع ذلك استمرت الانتهاكات والعنف من كافة القوى المتدخلة في شؤون العراق واستمر معها القتل العشوائي المهين سواء المباشر، أو من خلال التفجيرات شبه اليومية التي حصدت ولا تزال الكثير من أرواح الأبرياء .

* ثانياً: في ما يخص إرساء الديمقراطية وحقوق الإنسان فلا شك أن ما يحدث من استباحة مستمرة منذ العام 2003 لحضارة العراق وشعبه يؤكد ضرورة الترحم على صدام حسين ونظامه مقارنة بما حدث وبمن جاء بعده، إن كانت تجوز عليهما ولهما الرحمة، ونحن وبقدر إدانتنا لجرائم نظام صدام إلا أن ما يحدث الآن يشكل انتهاكات خطيرة غير مسبوقة لحقوق العراق إنساناً وحضارةً ووطناً، أما الديمقراطية فهي بعيدة المنال بعدما أقحم العراق في نفق الطائفية السياسية، وهذه ستكون أشد خطراً على مستقبل العراق من دمار الحروب، فالطائفية هي مشروع حرب دائمة قد تؤدي إلى تفتيت العراق رسمياً بعد أن تم تفتيته واقعياً، وهل هذا ثمن معقول لهكذا ديمقراطية؟

إذاً لماذا شُنت هذه الحرب؟ ولماذا هي مستمرة؟ هل هي سياسة ما يسمى الفوضى الخلاقة أو البناءة؟ وكيف تكون الفوضى بناءة أو خلاقة؟ ولو عكسنا تركيب هذا الإصطلاح لحصلنا على نتيجة صحيحة وواقعية بأن نقول إنها سياسة خلق الفوضى أو بناء الفوضى أو صناعة الفوضى، وواقع العراق الآن هو كذلك في حالة فوضى مدمرة .

بذلك نستطيع استخلاص نتيجة منطقية مفادها أن الحرب أرادت تدمير العراق واستباحة شعبه وحضارته، وبالتالي تجزئته وخلق فتن طائفية قد تقضي على ما تبقى من هذا البلد العظيم . النتيجة واضحة، ولكن لماذا هذه العدوانية وهذا العنف غير المبرر؟ ولماذا يتم استفزار العنف وما هو الهدف من ذلك؟

وهل هي ردة فعل على أحداث 11 سبتمبر المشؤومة، التي ندينها وندين من خطط ونفذ ارتكابها؟ وهل هي النظرية المشؤومة التي فجرت تلك الأكذوبة السخيفة لحتمية صراع الحضارات، بدلاً من التفاعل الإيجابي بين الحضارات؟ وبما أن العراق لا علاقة له لا من قريب ولا من بعيد بأحداث 11 سبتمبر وباعتراف الغرب ومن خلال توجيه التهمة إلى الإرهاب القابع في أفغانستان، وكما أكد الجنرال بترايوس مؤخراً بأن الحرب على أفغانستان ذات أهمية للأفغان والمنطقة والعالم، وأن قندهار هي مركز التخطيط والتنفيذ لعملية 11 سبتمبر . (مسكينة أفغانستان فذلك سيزيد بؤسها بؤساً) .

إذاً، لماذا العراق؟ وهل هو التعطش إلى مصادر الطاقة؟ قد يكون ذلك أحد الأهداف، ولكن النفط لم يكن بعيداً عن سيطرتهم، وكذلك لا يوجد رابط بين التعطش للنفط والسعي إلى التدمير والقتل الوحشي، أم هي نقمة النفط وليس نعمته .

أسئلة أخرى لا بد من استعراضها للاقتراب من الحقيقة أكثر .

ماذا كان دور إسرائيل؟ وهل كانت هذه الحرب ثأراً من صواريخ صدام إبان حرب تحرير الكويت؟ وهل تندرج هذهِ الحرب ضمن الاستراتيجية الصهيونية (القديمة الثابتة والمتجددة) الهادفة إلى ضرورة تفتيت المنطقة العربية، وإثارة النزاعات الطائفية والعرقية والقبلية وإشغال المنطقة بهذه النزاعات إلى أن تنهار وحدتها وتتفكك، بحيث تصبح إسرائيل الدولة الأقوى في منطقة الشرق الأوسط؟ إذاً، العراق هي البداية، فأين ستكون النهاية؟

ومن أجل أن نختم نرى ضرورة طرح هذه الأسئلة الأخيرة، هل ديكتاتورية صدام كانت أحد أسباب هذا الدمار؟ ربما، لأن الديمقراطية تحمي في أحيان كثيرة الجبهة الداخلية وتحرم المتدخلين من مبررات التدخل . إذاً، هل ديمقراطية نظام الحكم في العراق كان من الممكن أن تجنب العراق هذه الحرب؟ ربما . . لأن قرار الحرب والسلم لن يكون بيد شخص واحد، ثم هل قبول صدام وعائلته ترك العراق كان من الممكن تجنيب العراق كل هذا الدمار؟ وهل تآمرت الجامعة العربية وأطراف عربية أخرى معينة في إهمال مناقشة مبادرة الشيخ زايد (طيب الله ثراه) استضافة صدام في دولة الإمارات حرصاً على تجنيب العراق أهوال الحرب؟

أخيراً وليس آخراً وبما أن الإدارة الأمريكية قد تغيرت، فهل ينجح الرئيس باراك حسين أوباما في كبح جماح الساعين إلى الصدامات والحروب؟ لا شك أن هناك صعوبة كبيرة رغم ذكائه واختلافه عن سلفه، ولكننا نأمل له النجاح لأن الولايات المتحدة دولة عظمى تؤثر مباشرة في استقرار العالم أو زعزعته سواء بقوتها العظيمة أو ضعفها المربك، وهذه الحروب لن تزيدها إلا ضعفاً في ديمقراطيتها واقتصادها، وبالتالي في مكانتها العالمية، وقد يكون انتخاب الرئيس أوباما مؤشراً كبيراً ومهماً على تغيير تاريخي حدث في الرأي العام الأمريكي، نرجو أن ينعكس على السياسة الخارجية، ولا شك أن هناك مؤشرات خجولة للتغيير بدأت بالظهور من خلال خطاب الرئيس الأمريكي الموجه للعالم العربي والإسلامي من القاهرة، ونرجو أن يكون تسريب فيديو القنص للعراقيين الأبرياء مؤشراً آخر لاستراتيجية جديدة تسعى للبراءة من أخطاء وجرائم الإدارة السابقة . وهنا لا بد من كلمة أخيرة للعراقيين الذي دفعوا ثمناً باهظاً لهذه الحرب، ويبقى عليهم انتهاج العقلانية للحفاظ على وطنهم وحضارتهم ومستقبل هذا الوطن وأجياله الحاضرة والقادمة، ولا غرابة في ذلك، فهم بكافة أطيافهم أحفاد صانعي تلك الحضارة العريقة، وقد يصدق قول الجواهري فيظل العراق باق وأعمار الطغاة قصار .