الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

صراع الإرادات في الشرق الأوسط

7 يونيو 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 7 يونيو 00:05 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
إبراهيم فلاح القحطاني
في خضم التصعيد العسكري غير المسبوق الذي شهدته منطقة الخليج مؤخراً، تلوح في الأفق بوادر هدنة هشة تحمل معها أسئلة مصيرية، هل هي مجرد استراحة محاربين تمهيداً لجولة جديدة من الصراع، أم أنها البداية الحقيقية لتسوية نهائية تعيد رسم قواعد اللعبة في واحدة من أكثر بقاع العالم سخونة؟
بين هذه التساؤلات يقف المشهد الخليجي الراهن على صفيح ساخن، محكوماً بحسابات دقيقة للمصالح، ووساطات إقليمية نشطة، ودبلوماسية خليجية متعددة المسارات تحاول استثمار الفرص.
بات الشرق الأوسط اليوم عند أخطر منعطف جيوسياسي في تاريخه الحديث، حيث لم تعد الأزمات تُدار بالوكالة أو عبر خطوط تماس تقليدية، ومع تداخل ملفات الملاحة الدولية، والبرامج النووية، والصراعات العسكرية المباشرة، يبرز السؤال الأهم الذي يفرض نفسه على طاولات صناع القرار: من سيقود الخطوة التالية في الإقليم، عقلانية الدبلوماسية الخليجية الساعية للاستقرار، أم عقيدة الردع المتصادمة بين طهران وتل أبيب؟
وسط هذا التصادم العقائدي، يبرز الدور الأمريكي كعامل حاسم، قادر على ترجيح كفة على أخرى، لكنه يتحرك بطريقة حذرة ومليئة بالتناقضات. إن الإجابة عن هذا التساؤل تتطلب تفكيك المشهد إلى وجهتين متناقضتين، وجهة «البناء والتنمية» التي تقودها عواصم الخليج، ووجهة «الردع الوجودي» التي تفرضها معادلة الصراع بين إيران وإسرائيل، وتحت غطاء من الحسابات للولايات المتحدة، والتزامها بأمن إسرائيل.
في المقابل، تعاني الإدارة الأمريكية استنزافاً عسكرياً وسياسياً، وتضع منع اندلاع «حرب إقليمية كبرى» كأولوية قصوى لتجنب التورط في مستنقع جديد يهدد الاقتصاد العالمي وسوق الطاقة والتنافس الاستراتيجي مع الصين وروسيا. لذا تفضل واشنطن استخدام القنوات الخليجية لعقد صفقات تهدئة مؤقتة وتبادل للمصالح مع طهران، ما يمنع انزلاق المواجهة إلى نقطة اللاعودة.
هذا التأرجح الأمريكي بين التزامها أمن إسرائيل وسعيها لضبط النفس الإيراني يجعلها تُطيل أمد «اللا حرب واللا سلم» بدلاً من حسم اتجاه البوصلة نحو سلام دائم.
نجحت الدبلوماسية الباكستانية في قيادة وساطة بالغة الحساسية، تكللت باحتضانها محادثات مباشرة غير مسبوقة في إسلام آباد بين وفود رفيعة المستوى من واشنطن وطهران، وهي خطوة أفضت إلى صياغة اتفاقيات هدنة مؤقتة لالتقاط الأنفاس وإفساح المجال للمفاوضات السياسية. امتلاك باكستان لعلاقات أمنية متينة مع واشنطن، وجيرة جغرافية وتاريخية مع طهران، مكنها من لعب دور «الوسيط المقبول».
على الجانب الآخر، تقدِّم دول مجلس التعاون الخليجي نموذجاً مغايراً تماماً يعتمد على العقلانية السياسية والبراغماتية الاقتصادية، فقد أدركت عواصم الخليج أن طموحاتها الاقتصادية العملاقة، ورؤاها التنموية المستقبلية، لا يمكن أن تتحقق في بيئة مشتعلة، لذا استثمرت ثقلها الدبلوماسي لفتح قنوات حوار مباشرة مع إيران، وقيادة وساطات معقدة لتهدئة الجبهات المشتعلة.
رغم القوة الناعمة والدبلوماسية فائقة الفعالية التي تمارسها دول الخليج، والجهود الباكستانية، إلا أن الواقع الجيوسياسي يفرض معطيات معقدة.
مفاتيح التصعيد ووقت التفاوض الجاد ما زالت رهينة لقرارات تؤخذ في طهران وتل أبيب، وتتأثر بالضوء الأخضر أو الأحمر القادم من واشنطن، فالدبلوماسية الخليجية قادرة على «إطفاء الحرائق»، لكنها لا تملك سلطة إجبار الأطراف العقائدية على التنازل عن منطلقاتها الوجودية.
إن الخطوة التالية، ستكون نتاجاً «لتسوية اضطرارية» يفرضها الإعياء العسكري لجميع الأطراف وتراجع الرغبة الأمريكية في تغطية حروب لا تنتهي.
ستبدأ اللحظة الحقيقية للدبلوماسية الخليجية، المدعومة بما حققته وساطة إسلام آباد عندما تصل عقيدة الردع بين طهران وتل أبيب إلى طريق مسدود، (أفق لا يضمن النصر لأي منهما وتصبح كلفة الاستمرار فيه مدمرة للطرفين).
هنا ستتحول «العقلانية الخليجية» المدعومة برغبة دولية في الاستقرار، من مجرد محاولة لتحييد المخاطر، إلى الخيار الإنقاذي الوحيد والمظلة المقبولة دولياً وإقليمياً لإعادة صياغة هندسة أمنية جديدة للشرق الأوسط، تقوم على احترام السيادة الوطنية والتخلي عن أوهام الهيمنة العسكرية.
تتردد السياسة الأمريكية بين رغبتها في خفض التزاماتها العسكرية المباشرة بالشرق الأوسط للتركيز على الصراع مع الصين وروسيا، وبين التزامها بأمن إسرائيل وحماية ممرات الملاحة الدولية في الخليج والبحر الأحمر، ما يجعل مواقفها تتذبذب بين الردع العسكري والبحث عن تفاهمات خلفية مع طهران.
الدبلوماسية الخليجية اليوم هي أداة لحماية النظام الإقليمي من التفكك، ولتحويل الثقل الاقتصادي إلى نفوذ تفاوضي، نجاحها لا يقاس فقط بمنع الحرب، بل أيضاً بقدرتها على فرض الخليج كطرف لا يمكن تجاوزه في أي تسوية تخص أمن المنطقة. إن معضلة الدبلوماسية الخليجية لا تكمن في قلة المبادرات، بل في أن قرار السلم والحرب النهائي في الملفات الساخنة يقع في عواصم هذا المثلث (واشنطن، طهران، وتل أبيب).
الهدوء الراهن في الخليج ليس سلاماً، بل هو «إدارة مؤقتة للصراع»، وتدرك عواصم القرار الخليجي أن بناء استقرار حقيقي يتطلب تجاوز الصيغ الأمنية الهشة، والضغط باتجاه صياغة «هندسة أمنية إقليمية جديدة» تضمن مصالح الجميع، وتلزم طهران وتل أبيب باحترام سيادة الدول، وبخلاف ذلك ستبقى المنطقة رهينة لشرارة حرب قد تنطلق من أي جبهة وفي أي وقت.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة