في غمرة انشغالات الدول العربية بموضوع القمة العربية المقبلة والأزمة السياسية اللبنانية الداخلية المستعرة، وفي خضم انهماك اللبنانيين كذلك بهذه الأزمة ذاتها وتصاعد الصراع السياسي بين القوى السياسية حول سبل الخروج من الأزمة، مر حدث سياسي دولي على درجة من الأهمية مرور الكرام دونما أن يستحق عناية كافية من قبل الدول العربية بوجه عام والدولة اللبنانية المغيبة دستورياً بوجه خاص.
هذا الحدث تمثل في إقرار مسودة معاهدة عالمية لحظر القنابل العنقودية. وحينما نقول: إن هذه المعاهدة تهم العرب بوجه عام والشعب اللبناني بشكل خاص، فلأن هذا الشعب هو من أكثر الشعوب تضرراً في المرحلة الراهنة من هذه الفخاخ الوحشية التي تطاول الأبرياء المدنيين وعلى الأخص في الجنوب، حيث تشير إحصاءات الأمم المتحدة إلى أن إسرائيل ألقت ملايين القنابل العنقودية في هذه المنطقة خلال كل حروبها العدوانية على لبنان وصولاً إلى حربها الأخيرة في صيف ،2006 ومعظم هذه القنابل لم تنفجر، وما زالت عرضة للانفجار بمجرد ملامستها.
ووفق إحصاءات الأمم المتحدة ذاتها فقد أدت هذه القنابل إلى مقتل ما يقرب من 40 مواطناً لبنانياً وجرح 220.
وإذا كان الشعب اللبناني هو في مقدمة الشعوب العربية المبتلاة بجرائم مثل هذه الحروب بحق الإنسانية، وهي الحروب التي فرضت على العرب فرضاً، فضلاً عن ابتلاء الشعب العراقي بمثل هذه القنابل التي ألقاها الاحتلال الأمريكي أثناء غزوه الأخير للعراق، فإن بلداناً عربية أخرى ما زالت مبتلاة بمخلفات ألغام حروب قديمة جرت على أراضيها، وعلى وجه الخصوص مصر وليبيا اللتان دارت على أراضيهما بعض معارك الأطراف المتحاربة في الحرب العالمية الثانية، ولا سيما عند منطقة الحدود المصرية - الليبية، وحيث ما زال عدد من المدنيين يقع ضحية هذه الألغام القديمة بين الفينة والأخرى، على الرغم من مرور أكثر من 60 عاماً على انتهاء الحرب.
وهنا لعل من المفارقات الساخرة المؤلمة في ما يتعلق بمؤتمر نيوزيلندا الأخير الخاص بإقرار مسودة معاهدة حظر القنابل العنقودية، أن الدول العربية التي هي من أكثر دول العالم تضرراً من هذه القنابل، هي من أكثرها غياباً عن المؤتمر، أو على الأدق غياب دورها الفاعل الضاغط لإخراج مشروع المعاهدة بأعلى سقف ممكن من التشديد على الحظر، ومن معاقبة الدول غير الملتزمة واستقطاب أكبر عدد من الدول، ولا سيما الكبرى أو ذات النفوذ الدولي، لخلق أكبر تحالف ممكن لمكافحة وحظر القنابل العنقودية سواء في إطار المعاهدة المذكورة أم خارج هذا الإطار.
وبسبب هذا الغياب العربي، فإن مشروع المعاهدة ما زال منذ 3 سنوات يواجه تسويفاً جراء ضغوط ومراوغات الدول التي ترفض حظراً على القنابل العنقودية، كالولايات المتحدة والصين وإسرائيل، فيما تطرح دول أخرى مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان فكرة المرور بفترة انتقالية قبل فرض الحظر الكامل الشامل.
وحتى الآن ثمة 82 دولة تمثل نحو 80% من الدول التي شاركت في مؤتمر نيوزيلندا الأخير الخاص بإقرار مشروع معاهدة حظر القنابل العنقودية وافقت على الفور على إعلان ولنجتون، اسم المدينة التي انعقد فيها المؤتمر، لكن عدد الدول الموافقة على مشروع المعاهدة (82 دولة) هو أقل من عدد الدول التي شاركت في مؤتمر أوسلو (140) قبل 3 سنوات وهو المؤتمر الذي مهد لإعداد مسودة المعاهدة التي أقرت في مؤتمر ولنجتون الأخير.
وإذ شهد هذا المؤتمر غياباً عربياً ولبنانياً فاعلاً في فعالياته والتحضير له، فهل يشهد مؤتمر ايرلندا الذي سيعقد في مايو/أيار القادم لإقرار المعاهدة حضوراً عربياً ولبنانياً أفضل، أم تتكرر مأساة الغياب العربي الذي حدث في ولنجتون؟