ديفيد بيلينغ

تحول مفهوم أسعار الفائدة السلبية في أقل من عامين من مجرد فكرة تجريدية في نظريات علم الاقتصاد إلى محور تتكئ عليه السياسات النقدية في عدد متزايد من بنوك العالم المركزية.
وتقول التجربة التي يتم تطبيقها في اليابان ومنطقة اليورو وبعض دول العالم الأخرى أن العقبات التطبيقية أقل مما كان متصوراً.ويدعي مؤيدوها أن الهدف منها هو حث المستهلكين على الإنفاق والبنوك على منح القروض لتحفيز الاقتصاد، وأنها جنبت الاقتصاد في منطقة اليورو الوقوع في انكماش خطر. لكن البرهان على ذلك لا يزال ضعيفاً.ولا شك أن أسعار الفائدة السلبية لا تحظى بقبول واسع وكلما طال أمدها ازدادت مخاطر تبعاتها السلبية غير المقصودة.
وآخر ما تعرضت له هذه السياسة من نقد جاء على لسان الرئيس التنفيذي لشركة «بلاك روك» لإدارة الأصول، لاري فينك الذي حذر من أضرار الفائدة الصفرية سابقاً والسلبية لاحقاً على المدخرين. فالأفراد الراغبون في تأمين دخل أعلى لمرحلة تقاعدهم باتوا اليوم مضطرين لادخار مبالغ أكبر ما يعني خفض إنفاقهم وبالتالي نتيجة معاكسة للهدف الذي خفضت معدلات الفائدة من أجل بلوغه.
وينطبق ذلك على أي خفض في أسعار الفائدة الذي لا بد أن يحول الدخل دائماً من المدخرين إلى المقترضين.لذلك ينبغي ألا يتجاوز العبء الذي يترتب على المدخرين مقدار الفائدة المترتبة على تحفيز المقترضين فقط لأن معدلات أسعار الفائدة تجاوزت الحاجز النفسي عند الصفر.
وعلى أي حال حذر جوز فينالز المسؤول في صندوق النقد الدولي من أن أسعار الفائدة السلبية ستكون لها أضرار على المجتمع في حال طال أمدها خاصة في إضعاف برامج التأمين على الحياة وصناديق التقاعدية وأوعية الادخار عامة.
ويشكل غضب المدخرين أحد أهم العقبات التي تواجهها السلطات المختصة في فرض تخفيضات أخرى على معدلات أسعار الفائدة. ففي اليابان حاول البنك المركزي استثناء ودائع الأفراد من التأثير الكلي للفائدة السلبية، لكن بعض البنوك بدأت تفرض رسوما على الودائع التي تحتفظ بها الصناديق التقاعدية لديها.أما في ألمانيا فقد تضخمت قضية إفقار المتقاعدين وتحولت إلى برميل بارود لدرجة اضطرت وزير ماليتها وولفغانغ شوابل لانتقاد البنك المركزي الأوروبي وتحميله مسؤولية صعود الأحزاب اليسارية في الانتخابات الأخيرة.
لكن مصدر القلق الأهم في منطقة اليورو حول أسعار الفائدة السلبية يتأتى من قطاعها المصرفي.فكل المؤسسات المصرفية التي لم تتمكن من تحميل المودعين فاتورة الفائدة السلبية سوف تواجه تراجعاً في الأرباح.وباتت كل البنوك مضطرة للاعتماد بدرجات متفاوتة على التمويل الرخيص عالي درجة المخاطر.
ورغم كل تلك المخاطر لا تزال البنوك المركزية تدعي أن الفائدة السلبية لها آثار إيجابية. فقد تراجعت تكاليف التمويل وانتعشت حركة القروض في منطقة اليورو منذ اعتماد الفائدة السلبية.وفيما يتعلق بالاقتصادات الصغيرة ساعدت على لجم تدفق الرساميل وتحسن قيم العملات الوطنية رغم الارتفاع الذي طرأ على اليورو.
ويرى «بين برنانكي» رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبق أن الامتعاض العام تم تجاوزه وأن سياسة الفائدة السلبية حققت بعض المزايا كما أن تكاليفها تحت السيطرة. وربما تكون أداة مفيدة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي في حال رغب في تخفيض معدلات أسعار الفائدة شرط أن يكون الخفض محدود النسبة والأجل.
لكن هناك أفقا محددا لخفض أسعار الفائدة لا يمكن تجاوزه على الصعيد العملي.وفي منطقة اليورو على الأقل يقف الأفق السياسي عائقاً أمام التمادي في الخفض.إلا أن السؤال الآن هو: ما البديل؟