يرسم تقرير أصدره المجلس القومي الأمريكي، صورة متشائمة للولايات المتحدة والعالم خلال العقدين المقبلين. يتنبأ التقرير الذي بثت مقتطفات واسعة منه في وسائل إعلام مختلفة، بأن يعود العالم القهقرى الى القرن التاسع عشر، الذي شهد تنافساً محموماً على المد الاستعماري وخوض الحروب. أزمات الغذاء والماء والنفط سوف تتزايد، وسوف تستخدم دول مارقة السلاح النووي.
التقرير الذي أعده خبراء معلومات، يواكب ايقاع الأزمة المالية الأمريكية العالمية، وما يحف بها من محاذير الانكماش وأزمات اجتماعية واقتصادية وبشر بما هو أسوأ.
يسترعي الانتباه في التقرير، أنه يقفز عن مسؤولية واشنطن وبالذات في ولايتي بوش، عما آل اليه العالم من اضطراب، يؤسس للمزيد من الفوضى مستقبلاً. فما حدث وما هو مرتقب وقوعه، لا يعدو أن يكون حسب التقرير، ناجماً عن نزوع قوى مختلفة في عالمنا لإضعاف الولايات المتحدة.
بموجب ذلك فإن التعاون الدولي، وإعادة الاعتبار الى الأمم المتحدة وتقوية نفوذها، والاحتكام الى ديمقراطية جماعية في صياغة اقرارات الدولية الأكثر أهمية، تغيب عن التقرير.
هناك مخاطر لحروب آتية، غير أن التقرير لا يدعو لحشد العالم من أجل السلام، ونزع أسباب الحروب واحترام الشرعية الدولية، إنه يشكك فقط في إفادة الولايات المتحدة من تلك الحروب، وفي انعكاس سلبي لهذه المواجهات على النفوذ الأمريكي في العالم.
ليست الولايات المتحدة الطرف الوحيد في إشعال التوترات في عالمنا. فحروب البلقان والشيشان وجورجيا والصومال، مثلاً تتحمل أطراف أخرى المسؤولية عنها، حتى مع وجود يد خفية أمريكية هنا وهناك.
غير أن الاضطراب الخطير في منطقتنا والأخطر في العالم، هو في الأساس صناعة أمريكية. لا ينفع في هذا المجال إلقاء اللوم على أطراف أخرى مثل ايران. فالدولة الأخيرة تستثمر الاضطراب ولم تصنعه، لم تغز إيران العراق، لكنها أفادت من غزوه. الحروب الإسرائيلية الدائمة تتم إما بتواطؤ أو ضوء أخضر أمريكي، وفي أضعف الأحوال مع غض نظر أمريكي مع مسخ العملية السلمية وحرفها الى مجرد خطة لفرض سلام إسرائيلي يقوم على التوسع.
الحروب إذن سوف تناسل ومعها الأزمات في المجالات الحيوية : الغذاء الماء، البطالة، النفط والمناخ.
هذا التشخيص الذي يقارب الواقع، لا يحمل أصحاب التقرير وصانعي السياسات، على اقتراح اية مراجعة لكبح التدهور. تبدو واشنطن والحالة هذه كوناً مستقلاً فيما يعيش بقية العالم في كون آخر. لذلك فإن منظور المصالح الأمريكية، المنظور الضيق، هو الذي يحكم فقط رؤية التقرير ومن دون التماس المصلحة الأمريكية في إطار التعاون الدولي.
رغم أن ملايين الأمريكيين يهجسون بالتغيير، كما دلت على ذلك نتائج انتخابات الرئاسة، فإن الثبات والجمود هما ما يوجه هذا التقرير. التشكك البادي في دوام الأحادية القطبية، لا يحول دون النظر الأحادي للامور، وكأنما الولايات المتحدة مكلفة من مصدر خفي بإدارة شؤون العالم الى ما لا نهاية.
أليس غريباً أن لا يكون التنبؤ بصعود الصين والهند البرازيل (مع التقليل المستغرب لحجم المجموعة الأوروبية) مدعاة للتعامل مع واقع جديد قيد النشوء والتبلور، وذلك نحو الأخذ بالتعددية القطبية وتجلياتها على المسرح الدولي من إعادة النظر في مكونات مجلس الأمن الدولي، وإعادة توصيف مهام حلف الأطلسي، باتجاه الحد من الحروب لا تغذيتها والتسبب بها. وأخذ العلم بانهيار الاتحاد السوفييتي السابق، بدل الاندفاع لصنع أعداء جدد وعسكرة متزايدة للسياسة الخارجية والسيطرة على اوروبا الشرقية، واتخاذها منصة لتهديد دول أخرى.
السياسة الانفرادية التي دأبت واشنطن على اتباعها، في ظل ولايتي بوش، أدت الى ما أدت اليه من تضاؤل النفوذ الأمريكي، مع ذلك وحتى من هذا المنظور الضيق، فالتقرير لا يهجس بالمراجعة، فواشنطن لا تخطىء، حتى حين يتبين لساستها أنها مخطئة ! المزيد من الأخطاء، من شأنه أن يصحح أخطاء سابقة.
ربما وضع التقرير لغايات الوصف، ومن قبيل تحليل المعلومات وعرض التوقعات المستقبلية. لكنه قائم على رؤية مسبقة تفيد أن على العالم أن يتغير وفق المصالح الأمريكية، وعلى واشنطن أن تقيم على ما هي عليه. وبما أن الأمرين على جانب من الصعوبة فلا يبقى سوى المنافسة العسكرية والعودة الى الحروب على اوسع نطاق، كما كان عليه الحال في القرن التاسع عشر(اختير هذا القرن كمثال بدل القرن العشرين لرفع المسؤولية الأمريكية، حيث لم يكن هناك نفوذ خارجي يذكر للولايات المتحدة قبل عقد ونصف العقد، مغزى ذلك أن واشنطن معفاة من المسؤولية مستقبلاً، كما كانت عليه في القرن التاسع عشر).
يبقى أن ما خلص اليه التقرير من تشاؤم، صحيح وفي محله من منظور السلام العالمي، وسلامة البشرية وتهديد منجزاتها وتوسيع دائرة الفقر.
ناقوس الخطر يعنينا، فالتقرير يرشح منطقتنا لمزيد من الكوارث حتى لو لم يسمها كمنطقة حروب آتية، غير أن مكونات التوتر قائمة في منطقتنا بما فيها أزمات الماء والنفط والغذاء، أما الحروب فلم تنطفىء نيرانها بعد بين ظهرانينا، وكل ما في الأمر أن التقرير الاستراتيجي الرؤيوي يبشر بالمزيد منها أو توسعها.