إذا كانت الحرب استمراراً للسياسة بوسائل أخرى، فإن الانتخابات ليست استمراراً للحرب ولا مرادفة لها، فالانتخابات آلية سلمية للمشاركة السياسية، وهي بحكم التعريف نقيض للحرب، إنها أداة مهمة لتحقيق التحول السياسي وتداول السلطة سلمياً لدى المجتمعات الديمقراطية، حيث يتم الصراع عبر البرامج لا عبر البنادق .
لقد عرفت دولة الوحدة في اليمن سبع حروب (حرب الانفصال أو حرب صيف 1994 وحروب صعدة الست خلال الفترة 2004- 2010)، كما شهد اليمن سبع دورات انتخابية، ثلاث دورات برلمانية (،2003 ،1997 1993) ودورتان انتخابيتان محليتان (انتخابات المجالس المحلية عامي 2001 و2006) ودورتان انتخابيتان رئاسيتان (1999 و2006) .
والتساؤل الإشكالي في هذا السياق: لماذا يشهد اليمن تزامن المتناقضات وتعايشها (حروب وانتخابات معاً؟)
إن استقراء التاريخ السياسي اليمني يدفع إلى الاستنتاج بأن أهم آليات إسناد السلطة في النظام السياسي اليمني تتمثل في آليات ثلاث:تحكيمية، سلمية وحربية، لكن تعد الأخيرة (الآلية الحربية) أهم آلية ركن إليها أغلبية حكام اليمن .
فالملاحظ أن الحاكم السياسي اليمني يكون، غالباً، من خارج شريحة القوى الاجتماعية الفاعلة، ولأنه لا يمتلك عصبية قبلية قوية ليستند إليها في حكمه، ولأنه يكره المؤسسية الحديثة المدنية، فإنه يستقوي بالمؤسسة العسكرية لتغدو عصبيته المصطنعة والتي يمكن تعريفها بأنها تلك الجهة التي يستعين بها الطامح السياسي إلى الوصول إلى سدة الحكم، حيث يصطنعها ويرسخ وجودها عقب إمساكه بزمام السلطة، ليركن إليها وتعينه على التشبث بالحكم أطول فترة ممكنة، وتتكون هذه العصبية المصطنعة من أقارب الحاكم السياسي، ومن يثق بهم من زملائه ومعارفه والقيادات (الثقة) في المؤسسة العسكرية والأمنية، وبعض الموالين للحاكم من القبائل والعصبيات الأخرى .
ومن الأمثلة ذات الدلالة في هذا السياق، سعي كثير من الحكام اليمنيين المعاصرين إلى تولية أقاربهم مناصب مهمة في المؤسسة العسكرية والأمنية مثل قيام الرئيس اليمني الأسبق عبدالرحمن الإرياني بتولية قريبه محمد عبدالله الإرياني منصب القائد العام للقوات المسلحة، وكذا قيام الرئيس الأسبق إبراهيم الحمدي بتنصيب أخيه عبدالله الحمدي كقائد لقوات العمالقة اليمنية .
أما أقارب الرئيس الحالي علي عبدالله صالح، فإنهم يتبوأون مناصب مهمة في المؤسسة العسكرية والأمنية وما انتقال أحمد علي عبدالله صالح من منصب مدني تشريعي (عضو مجلس نواب) إلى منصب عسكري كقائد للحرس الجمهوري إلا دليل على هذا الاستنتاج . والتساؤل الإشكالي الذي يفرض نفسه في هذا الصدد، لماذا يحترب اليمانيون رغم وحدتهم وتعدديتهم السياسية؟ .
يمكن القول إن ثمة أسباباً ومحددات لتعانق الأضداد وتعايش المتناقضات في حياة اليمنيين، حيث ينجحون في توحيد وطنهم اليمني جغرافياً وسياسياً، ولكنهم في الوقت ذاته يشطرون نفسياً! ينجحون في إجراء انتخابات برلمانية ومحلية ورئاسية، ولكنهم يفشلون - كالعادة - في جني ثمارها، بل يتبعونها بأزمات وحروب في ما بينهم .
إن من أهم أسباب استمرار الأزمات والحروب اليمانية: ثأرية الثقافة اليمنية وبأسها تجاه أصحابها، إذ تتسم طبيعة الثقافة السياسية اليمنية السائدة في بعض جوانبها بالثأرية والمبالغة في الانتقام من الخصم السياسي، فهي لا تكتفي بتصفيته معنوياً وسياسياً، بل ترى أنه لابد من تصفيته جسدياً، لأن الإبقاء على حياته الجسدية قد يطرح افتراض عودة الخصم السياسي لسدة الحكم، والقيام بالمقابل، بالتخلص من خصومه السياسيين بالطريقة الثأرية نفسها .
وهكذا فإن العرب (واليمن جزء منهم) وفقاً لابن خلدون إنهم لخلق التوحش الذي فيهم أصعب الأمم انقياداً بعضهم لبعض للغلظة والأنفة وبعد الهمة والمنافسة في الرياسة، قلما تجتمع أهواؤهم إن ما يحز في النفس ويدمي القلب أن بأس اليمنيين بينهم شديد .
شكلية النقل المؤسسي واستيراد المبنى الديمقراطي من دون المعنى أو الجوهر .
إذا كان من أهم مبررات الأخذ بقيم الديمقراطية والتعددية السياسية، السعي لحل الصراعات والخلافات بالطرائق السلمية، وضمان التغير السلمي في المجتمع، والتعاقب المنتظم للحكام، فإن إشكالية اليمن وجود وحدويين من دون ديمقراطية .
انتشار ثقافة الاستبداد وأخلاقه: إذ يلاحظ أن معضلة الاستبداد من أهم سمات الواقع السياسي اليمني، إذ يختزل الوطن والدولة في شخص الحاكم الفرد، ما يؤدي إلى إحلال فكرة الحاكم محل فكرة الأمة والوطن والدولة، ومن ثم تنتشر أخلاق الاستبداد التي تحدث عنها الكواكبي فيغدو التصاغر أدباً، والتذلل لطفاً، والتملق فصاحة وترك الحقوق سماحة، وقبول الإهانة تواضعاً، والرضاء بالظلم طاعة، وحب الوطن جنوناً بل عمالة!
اهتزاز شرعية الحاكم السياسي وسعيه إلى العبث بالتنوع المجتمعي:
على الرغم من أن الوحدة اليمنية هي بمثابة كاريزما الشعب اليمني، وشخصيته الملهمة، وأساس شرعية النظام الجديد، وإذا كان ضمن ما يحسب لنخبتي الشطرين (ومعهما كل الوحدويين من أبناء الشعب اليمني وقواه الاجتماعية والسياسية) إعلان قيام دولة الوحدة، فإن الواقع اليمني المعاش، رغم مرور عشرين عاماً على قيامها، مازال يومئ إلى أن النخبة الحاكمة قد اتكأت كثيراً على شرعية الوحدة، وعجزت عن القيام بكثير من مهامها . إن ما يُخشى منه تآكل شرعية الوحدة وظهور أزمة هوية من دون حضور شرعية الإنجاز والإشباع والفاعلية .
إن الخشية في هذا الصدد، استمرار الحروب اليمانية، والعجز عن تغيير الثقافة اليمنية من ثقافة قتالية ثأرية إلى ثقافة سلمية متسامحة . كما أننا نحذر من خطر تحول الانتخابات إلى انتحابات (بالحاء)، خاصة إذا لم تتخلص الإرادة السياسية من مكبلاتها، والمعارضة السياسية من ضعفها، والحكمة اليمانية من غيبوبتها .
ختاماً: نعم نعترف بأن أزماتنا كبيرة بحجم منجزاتنا، فنحن نصنع الحدث المهم، وبدلاً من رعايته وجني ثماره نحاكي به الخارج، فيغدو مصدراً لأزماتنا، نعم تحضر الحكمة اليمانية، لكنها تحضر هنيهة وتغيب دهراً . نعم نحن مولعون بدخول التاريخ، ولكننا، أيضاً، زاهدون في ترك بصماتنا عليه والمشاركة في صنع الحضارة الإنسانية وبدلاً من ذلك نسعى بخطى حثيثة للعيش خارجه .
قلت منذ سنوات وما زلت أقول إن على اليمنيين تحكيم العقل بدلاً من تحكيم البندقية، وعلى الحاكم السياسي السعي لدخول التاريخ عبر حفاظه على الوحدة اليمنية وتفعيل إرادته في إيجاد مؤسسات سياسية حديثة تبني اليمن مجتمعاً ودولة .
إن اليمنيين أحوج ما يكونون إلى تفعيل ثقافة أهل القلم بدلاً من ثقافة أهل السيف .
كاتب يمني