الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

فخ «ثوسيديدس» الأمريكي الصيني

16 مايو 2026 00:14 صباحًا | آخر تحديث: 16 مايو 00:15 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
في الوقت الذي يعيش فيه العالم أزمة غير مسبوقة على وقع الحرب الإيرانية التي لم تجد طريقها للحسم العسكري أو الوصول إلى اتفاق، زار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بكين، مستبقاً هذه الزيارة بتصريح سياسي قال فيه «لا نحتاج إلى مساعدة الصين في الملف الإيراني»، لكن الزيارة في شكلها ومضمونها وتوقيتها تؤكد أنه لا يمكن تجاوز دور الصين في ترتيبات الأمن العالمي، بما فيها الترتيبات المرتبطة بحرية الملاحة في مضيق هرمز، والذي أصبح رهينة بيد إيران، فجوهر هذه الترتيبات يقوم على حماية الموقع الاقتصادي والتجاري للدول في المنظومة العالمية، خصوصاً الدولتين الأهم في العالم، أمريكا والصين.
في مستهل المباحثات بين الجانبين الأمريكي والصين، سأل الرئيس شي جين بينغ نظيره الأمريكي: هل نستطيع تجاوز «فخ ثوسيديدس»؟ وهذه الاستعارة المشهورة من التاريخ اليوناني، حين هدّد صعود أثينا مكانة إسبارطة، ما جعل الحرب بينهما حتمية، حاول من خلالها الرئيس الصيني أن يقول: إن صعود بلاده القوي على المسرح العالمي، ينبغي ألا يدفع بالضرورة نحو صدام حتمي بين بكين وواشنطن، وأنه ينبغي العمل على عدم الوقوع في هذه الفخ المدمر لكلا القوتين.
تدرك كل من واشنطن وبكين أنه لا توجد مقومات فعلية لخطاب فك الارتباط بينهما، فالعلاقة بين واشنطن وبكين هي من أكثر العلاقات تشابكاً وتعقيداً في التاريخ، إذ أنه بمجرد ترك عالم الدعاية الأيديولوجية والدخول في عالم الأرقام، يظهر جلياً حجم التشابك بين اقتصادي هاتين الإمبراطوريتين، فمتوسط حجم التبادل التجاري بينهما في السنوات الخمس السابقة، بلغ نحو نصف تريليون دولار، في كل عام، إذ تستورد الأسواق الأمريكية سنوياً نحو 13% من إجمالي السلع المستوردة من الصين.
هذا التشابك التجاري ما هو إلا أحد أوجه العلاقة المعقدة بين أكبر اقتصادين في العالم، ففي قطاع التكنولوجيا، يتنافس الاقتصادان على الوصول إلى المعادن النادرة، وبراءات الاختراع، واستقطاب المستثمرين، والأسواق، لكن على الرغم من حالة التنافس الشديدة بينهما، إلا أن هذا التنافس بحد ذاته ليس قيمة سلبية بالمطلق، بل عامل أساسي في تطوير قطاع التكنولوجيا فائقة الذكاء، لأنه يدفع نحو تسريعها من جهة، وتحولها إلى أداة هيمنة من جهة ثانية، خصوصاً مع الاعتماد العالمي المتسارع عليها، وبالتالي، فإن الشركات الأمريكية والصينية المتنافسة في هذا القطاع، تستفيد بشكل مشترك منه، حيث يغذي التنافس الطلب في الأسواق على منتجات هذه التكنولوجيا، سواءً أكانت أمريكية أو صينية.
بطبيعة الحال، منذ الولاية الأولى للرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، أصبحت الصين تشكل الخطر الأول على الأمن القومي الأمريكي، وهو ما يفرض على واشنطن بلورة استراتيجية متكاملة عسكرياً واقتصادياً وسياسياً للحدّ من هذا التهديد، وتخفيض مخاطره، لكن ليس بالضرورة بمكان أن تفهم من هذه الاستراتيجية على أنها سعي نحو فكّ ارتباط مع بكين.
إن الإقرار باستحالة فكّ الارتباط، يؤكد أن العلاقة بين واشنطن وبكين باتت محكومة بمنطق إدارة الصراع لا حسمه، فالإدارتان تدركان أن الانتقال إلى مواجهة مفتوحة له تكلفة كارثية على الاقتصاد والاستقرار العالميين، ولذلك، فإن ما نشهده اليوم هو نمط جديد من التنافس المركب، الذي تتجاور فيه أدوات الردع العسكري مع أدوات الاعتماد الاقتصادي المتبادل.
في هذا السياق، تبرز أهمية الممرات البحرية الاستراتيجية، وعلى رأسها مضيق هرمز، وبحر الصين الجنوبي، باعتبارها نقاط تماس غير مباشرة بين القوتين، فإذا كانت إيران تستخدم موقعها الجغرافي كورقة ضغط في مواجهة الولايات المتحدة، فإن الصين تنظر إلى هذه المنطقة بوصفها شرياناً حيوياً لتدفق الطاقة، ما يجعلها معنية بشكل مباشر بأي تصعيد فيها، حتى وإن لم تكن طرفاً عسكرياً فيه، وهذا ما يفسر التناقض الظاهري بين الخطاب الأمريكي الذي يقلل من دور بكين، والسلوك العملي الذي يسعى إلى إشراكها في إدارة الأزمات.
إن السؤال الذي طرحه شي جين بينغ حول «فخ ثوسيديدس» لا يزال مفتوحاً، ليس فقط على مستوى النوايا السياسية، بل على مستوى قدرة النظام الدولي ذاته على استيعاب صعود قوة كبرى جديدة من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، لئلا يتحول «فخ ثوسيديدس» إلى كارثة عليهما وعلى العالم أجمع.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة