ما يحتاج للتأمل والوقوف عنده بين امور أخرى، في الحرب على غزة، أن هذه الحرب تأتي في إطار حروب دورية متعاقبة ما انفكت تشنها إسرائيل ك رياضية وطنية وتأهيل اسبرطي دائم للأجيال جيلاً تلو جيل.علاوة بالطبع على الأهداف الاستراتيجية الأصلية، بدوام التوسع ومحاولة إخضاع وكسر إرادة الطرف الآخر.

في أعقاب إعلان السادات عن سقوط الخيار العسكري عام ،1979 فقد نشطت تل ابيب في حروبها ابتداء من صيف عام 1982 حين جردت حملة عسكرية واسعة النطاق على لبنان والمقاومة الفلسطينية فيه. وتبعت ذلك اعتداءات متعاقبة على الجنوب اللبناني الذي جرى احتلاله آنذاك، الى ان تم طردها بالقوة في العام 2000 . ولم يمض عامان حتى تم تجريد حملة على السلطة الفلسطينية في مدن الضفة الغربية ابتداء من رام الله حيث مقر الراحل عرفات .ومن المفارقات ان تلك الحرب قد شنها شارون بعد يوم واحد فقط من تبني القمة العربية لمبادرة السلام في العام 2002 . بعدها بأربعة اعوام تم شن حرب تدميرية أخرى على لبنان، استهدفت الجنوب وطالت العاصمة بيروت فيما عرف بحرب تموز.

الحرب الجديدة بالإضافة الى أهدافها الموضعية، تمثل بصورة من الصور انتقاماً لإخفاقات سابقتها، ومحاولة أخيرة لتحسين صورة أولمرت رئيس حكومة تصريف الأعمال، والذي يستعد للانصراف في شباط (فبراير) المقبل، بعدما أقصاه حزبه كاديما وانتخاب تسيبي ليفني في مركز زعامة الحزب، الذي شكله شارون قبل ذهابه في غيبوبته.

ما عرف من قبل بعملية سلمية، وما دار من مفاوضات مع الجانب الفلسطيني أدت الى اوسلو لم يمنع ذلك من إشهار إسرائيل الحرب على الفلسطينيين، والحرب الأخيرة دارت أيضا على إيقاع مساع سلمية من تزايد الحديث مؤخراً في تل أبيب عن قبول مزعوم للمبادرة العربية، الى المفاوضات المباشرة مع الجانب الفلسطيني، الى المفاوضات غيرالمباشرة في تركيا مع الجانب السوري، وحتى إعلان دمشق قبل أيام من الحرب الجديدة عن استعدادها لنقل التفاوض الى مستوى ثنائي مباشر.

بهذا لا يعيق المناخ السلمي المبرر أو المبالغ به، تل أبيب من المضي في خياراتها العسكرية، وتفيد خبرة الصراع الطويلة والمرة، أن الضغط العسكري يمثل لتل ابيب أحد أفضل أشكال التفاوض من جانبها، جرياً على قاعدة إن الحرب هي امتداد للسياسة. وإذ يتركز الجهد في هذه المرحلة على محاولة استئصال المقاومة من غزة، فذلك لا يقيد تل أبيب بين آونة وأخرى، عن اختيار أهداف لها على الأراضي اللبنانية وحتى السورية (استهداف ما زعم أنها منشآت نووية سورية). وعليه لن تكون الحرب على غزة آخر الحروب. فمنطق الاحتكام الى القوة العسكرية واللجوء إليها، ما زال يشكل قدس الأقداس لدى النواة الصلبة للمؤسسة الصهيونية. وبما يتعلق بالقضية الفلسطينية بالذات، فقد اختارت تل ابيب بلا هوداة تصفية هذه القضية بالقوة على الأرض، على ان يجري مستقبلاً التفاوض مع الأطراف على تركة هذه القضية وما يتبقى منها، وعلى الخصوص مستقبل إدارة شؤون شعب فلسطين.

وإذ تتوالى أجيال المقاومين العرب، جيلاً تلو جيل،فمن الواضح أن التضحيات الهائلة التي تدفعها الشعوب، عرضة للتبديد في غياب مشروع قومي للنهوض، يلحظ استمرار الصراع مع الصهيونية. ويتم من خلاله التوافق على أدوات الصراع وأولوياته وساحاته، ويجري تحقيق التناغم بين استخدام الموارد والطاقات وتوزيع الأعباء. وبصرف النظر عن التسميات، سواء سميت هذه الحالة المتوخاة، صموداً أم ممانعة أم مقاومة، أم استجابة للتحديات وتكيفاً إيجابياً مع الظروف.

ولعل هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه الكيان العربي الى عقود طويلة مقبلة. ففي غياب هذا المشروع، فإن البلدان العربية ومجتمعاتها عرضة للخلخلة تحت ضغط التعارض بين نزوع الرأي العام للاستجابة للتحدي، وبين نزوع الدول لتكيف سلبي ينشد السلامة فحسب.

وليس مطلوبا والحالة هذه الخروج مبدئياً من الخيارات السلمية أو حتى نقض اتفاقيات سابقة، بالإفادة من تجربة العدو نفسه الذي يتشدق بالسلام ليل نهار، لكنه يطلق يديه لفعل ما يشاء في الوقت الذي يريد وضد الهدف الذي يتخيره،مع الزعم من جانبه بأنه ليس هناك من تناقض وتعارض بين هذا وذاك، وبصرف النظر عن انعكاس سلوكه على البلدان التي وقع معها معاهدات سلمية، وبلدان أخرى يقيم معها شبكة متنوعة من العلاقات باستثناء العلاقات الدبلوماسية.

هذا التحدي الاستراتيجي يخاطب صانعي القرارات العرب، بعدما تحولت الحروب الدورية الى عبء داخلي جسيم على هذا البلد او ذاك، وبعدما ظهر للمرة المائة أن الاتفاقيات السلمية لا تعصم ولا تردع الطرف الآخر، عن دوام اللجوء للخيار العسكري في أشد أشكاله وحشية سواء لغايات الاستئصال والإبادة، أو بهدف استعراض القوة.

ومن الواضح بعدئذ أن إطلاق وترديد الشعارات الواقعية أو النارية لا يكفي وحده لردم الهوة. فهناك حاجة لتقاسم الأعباء والأدوار، واستثمارالموارد البشرية والمادية هنا وهناك لا مجرد استثمار دماء المقاومين والشعب الأعزل، وبلورة رؤية مشتركة فحواها أن الصراع مستمر، وأن الطرف الآخر هو من يصرّ على استمراره، ولا ينفع دفن الرؤوس في الرمال، او تغطية السموات بالقبوات.