لا يضير المعلومين التجاهل، وأحياناً يبحثون عن المزيد منه كي يواصلوا الحفر في الجبل، فالتاريخ العربي منذ بواكيره عرف نمطين من الناس، أحدهما يعطي ولا يكل والآخر لا يعرف كيف يبسط يده إن لم تكن مقلوبة، أحدهما يغني والآخر يطن، لكن الذي انتصر في النهاية هو من كان أقرب إلى سلالة الماء من سلالة اليباب لكننا نخسر كثيراً كلما جلسنا صامتين بانتظار غربال يفرز القمح من الزؤان، والشفق من الغسق.
إن من سماهم ميلر يصنعون القمح والفاصولياء من الحصى، كثيرون، لكن من ينتظرهم على مائدة العشاء سينام حتماً على الطوى. ولا أظن أن هناك تراثاً أو ثقافة فيه ما في تراثنا العربي من مرادفات الحسد ومفردات الغريم والعزول، وبدلاً من أن نرسم مكحلة لعيون الآخرين نرسم عوداً يثقبها ويعميها، لأنه حسود ولا يسود حسب أدبيات النكاية والثأرية المزمنة، وظلم ذوي القربى الأشد مضاضة.
نعرف أنه ما من سبيل لوضع حدّ لهذه المتوالية الرمادية، لكن متوسط أعمار الناس والتسارع المحموم لتطور حياتهم يدفعنا إلى أن نتمنى فقط، لو أن هذه الثقافة يعاد النظر بها، فهي تبدد الوقت والطاقة، وتفتعل العقبات رغم أن أصحاب الأرواح الوثابة والهمم الخلاقة يحولون العقبة إلى رافعة، والنقصان إلى فائض ويتلقحون بأمصال مفروزة من ناب الضبع وسم الأفعى الزعاف.
إن قراءة متأنية لتاريخنا من باطنه، وبعيداً عن السطح الأزرق الهادئ الذي يخفي صراعاً دموياً بين الكائنات، ترينا على الفور كم أضعنا من الوقت ونحن نتبارز بسيوف من خشب، ونعدو على أحصنة من خشب إنها سايكولوجيا بها من الغرابة ما يغري المشتغلين في هذا الحقل بفحص عينات من مختلف النماذج.
إن بإمكان من يملك بعض الوقت أن يحصي آلاف الأمثال والمواعظ التي تحذر من الآخر باعتباره عدواً ممكناً، بل هو العدو المتحقق الذي إن لم تفطر به تغدى بك.
كن ذئباً كي لا تأكلك الذئاب، أليست هذه وصية السلالة الحذرة التي حولت الأبناء إلى نعاج وخراف ولم يأخذوا من الذئب غير حيلته ورذيلته التي تدفعه إلى نهش لحم أخيه ميتاً.
إن منطق الحداء والنباح الذي اقترن بمسعى القوافل بمعناها المجازي في تاريخنا يفقد معناه ونحن نشهد بالعين المجردة ما يشبه الحرب الأهلية بين الأصيل والبديل وبين الماء والسراب.
ألا يكفي ما جرى لنا خلال قرن على الأقل من التنكيل والتسفيل بحيث صرنا سيركاً مفتوحاً بالمجان أمام العالم كي نحاول الاستدراك؟ أم أن السيف سبق العذل وفات الأوان، وكرامة الميت دفنه؟
إن ما تبقى من رحيق حتى في أشجار الصُّبير يكفي لاجتراح الرجاء من نُخاع اليأس والقنوط. فما هزم وتداعى وغرب فينا هو الخيط المهترئ في النسيج. ولا جدوى لكتابتنا وصراخنا إن لم يكن بالإمكان إيقاف هذا النزيف. لقد فاضت المقابر ولا بد من قيامة.