يَبْني الرجال، وغيره يَبْني القُرى

شَتّانَ بَيْنَ قُرى وبَيْن رجال

(المأمون)

ما معنى: مَشْهد؟

سؤال سَهْل، وهو بسيط أيضاً. لكن شتان بين صعوبة السهولة، وتعقيد البساطة، وبين من يقول لك: بسيطة، سهلة، تعال بكْرة.

وانه لأمر يدعو إلى التبصّر عندما نصف رجلاً، فنقول: هذا حكيم. وإن أنت عرفت قصة قول المأمون، الذي جعلنا منه غرة هذا الكلام ورأس منارته، عرفت الحكمة والحكيم.

وجلَّ الله، الحكيم، العزيز، الرحمن، الرحيم، القوي، عمّا نصف، ويصفون. فتيقن من أمرك - ياهذا - قبل أن تمسك بالقلم، وتوقع على رسالة ما، أو توصي بترقية فلان الفلاني إلى درجة أعلى، أو تعاقب فلانة، لأن الكتابة تبقى، والكلام يذهب في الهواء، كما قال الكتاب الغربيون.

وشر أصحاب الاقلام، الذين لا يعرفون سوى المهر بريشة قلم فاخر على أوامر بمعاقبة الحرائر، أو يلغطون بآخر ذؤابة في ألسنتهم بشتم بنات الناس، وابناء الأوادم.

ولكن ثمة من يصف أحد هؤلاء وأولئك، بأنه حكيم.

ويوجد في صفوف وزارات التربية والتعليم في البلدان العربية من يقيم خصاماً مع الحكمة، ويحتطب حرباً ضد الحكماء، لأن هؤلاء يرون أنفسهم أفضل الخلق طراً، وهم من نسل طاهر، بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وقف ضد هذه الثقافة الجاهلية، بعدما أدبه المولى، فأحَسنَ تأديبه.

وإلا قل لي - يرحمك الله - لماذا يخلو الكثير من مناهج الدراسة العربية من الأدب الكبير والأدب الصغير وكليلة ودمنة وغيرهما من كتب اليونان والرومان؟

ولو كان الأمر مناطاً بي، لطرحت على أول مؤتمر ذروة عربية مقبل بعد حين قصير، ترجمة بعض كتب افلاطون، ومسرحيات اربيستوفان، وأشعار شكسبير، وقصائد فيرجيل ونواح جلجامش، لتكون دروساً مقررة، على كبار موظفي وزارات الثقافة العربية، لكي يتمكنوا من معرفة أن جذور ثقافات العالم ذات أبعاد انسانية، وليعرف الكثير منهم الفرق بين أفلاطون وأفلوطين،

وهذه بعض من حكمة العرب.

ومن صفات رب العزة: الحكم، والحكيم، والحاكم. وهو الأدرى - تعالى - بصفاته. وقيل: الحكمة: معرفة أفضل الأشياء، بأفضل العلوم. وهكذا نرى - والخطاب موجه الينا كُلّنا - أن من يطلق صفة: الحكيم، من دون تمحص، على شخص ما، انما يجدّف، والعياذ بالله.

وكان المأمون يعرف حدوده، ويعرف أدبه ايضاً، ويعرف من هو الحكيم. لذلك عنى بالترجمة، ليس من ناحية الكم، بل بالنوع، وكان الذين حول المأمون يعرفون ولي أمرهم، ويعرفون حدودهم ايضا.

قالوا: نظر المأمون يوماً الى ابنه العبّاس، وأخيه المعتصم، وكان العباس يتخذ المصانع ويبني الضياع، فأنشد البيت الأول، وهذا الثاني:

قَلِق بكثرة ماله وضياعه حتى يفرّقهُ على الأبطال

شتان هذا من ذاك.

ولكن ما معنى: مشهد؟

[email protected]

www.juma-allami.com