الحرب الإيرانية ليست مجرد مرحلة عابرة، بل ستشكل مرحلة فاصلة بتداعياتها السياسية على مستوى كل أطرافها، فهي حرب إقليمية في إطار كوني بمشاركة الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. والمفارقة في هذه الحرب أن منطقة الخليج العربي كانت مسرحاً مباشراً لهذه الحرب، ورغم عقلانية وحكمة قيادات دول الخليج إلا أنها وجدت نفسها هدفاً مباشراً للاعتداءات الإيرانية، الأمر الذي أعاد بقوة طرح مفهوم الأمن الخليجي، وفرض على دولها مراجعة كل محددات ومكونات الأمن من منطلق أن المفاهيم التقليدية للأمن الخليجي لم تعد صالحة لمواجهة التهديدات والتحديات الجديدة التي فرضتها الحرب، وهو ما يستدعي الحاجة إلى رؤية وطنية تعزز أمنها، باعتبار أن قضية الأمن هي من الأولويات التي تشكل أعلى درجات المصلحة العليا لهذه الدول من منظور الإنجازات التنموية والتطور السياسي الشامل في بناء أنظمة حكم ناجحة، والمحافظة عليها تشكل أحد أهم مكونات الأمن على مستوى دولها والمستوى الجمعي الخليجي. ومن منطلق أيضاً أن هذه الدول ليست دولاً تتبنى خيار الحرب، فمنذ نشأتها وهي تتبنى سياسات تدعو للسلام والتعايش المشترك والتسامح وبناء علاقات جوار سلمية بعيدة عن المواجهة وخصوصاً مع إيران باعتبارها الدولة الجارة على الشاطئ الآخر للخليج. وتجسدت هذه السياسة رغم احتلال إيران جزر الإمارات الثلاث.. وصولاً للعدوان الإيراني الأخير الذي استهدف كل دول المنطقة، وهو ما شكّل تهديداً مباشراً لأمنها واستقرارها، ما استوجب المراجعة والبحث عن رؤية أمنية جديدة تأخذ في اعتبارها كل الاعتبارات الجيوسياسة والسياسية والأمنية والاقتصادية، وعلى اعتبار أيضاً أن أمن الخليج له أبعاده الإقليمية والعربية والدولية.
رؤية أمنية ليست منغلقة ولا انعزالية، بل رؤية تتسم بالحكمة السياسية التي جنبت المنطقة كلها بل العالم حرباً إقليمية شاملة لها تداعيات كونية على الاقتصاد والسلام العالميين.
تجد دول الخليج العربي نفسها لأول مرة أمام أصعب اختبار جيوسياسي، فرض عليها البحث عن صيغة أمنية جديدة للدفاع عن نفسها ومنجزاتها في مواجهة مخاطر مصدرها هذه المرة الجارة الأخرى على ضفة الخليج، صيغة تأخذ في الاعتبار الأمن على المستوى الوطني لكل دولة، ثم على المستوى الخليجي، وأيضاً تحديد مفهوم جديد للعلاقة مع إيران، مع الأخذ في الاعتبار ما يجمع شعوب المنطقة من روابط جغرافية وتاريخية متجذرة.. وكذلك على المستوى العربي باعتبار أن الأمن العربي يشكل إطاراً تفرضه المصلحة العربية الواحدة.
وعلى المستوى الدولي، فإن الصيغة الأمنية المفترضة يجب أن تأخذ في الاعتبار أن منطقة الخليج العربي هي منطقة استهداف دولي من جانب الدول الكبرى لضمان تدفق النفط والوصول إلى المياه الدافئة. فدول المنطقة لم تعد دولاً تابعة، بل دول مؤثرة وفاعلة وتملك القوة الشاملة التي جعلت منها قوى متوسطة قادرة على التأثير في مجرى التطورات الدولية.
هذه المستويات تشكل أساساً لأي رؤية أمنية خليجية جديدة أساسها أمن دول مجلس التعاون، مع مراعاة أن هذا الأمن لن يتحقق في صورة شامة إلا في إطار مستويات الأمن المتكاملة. فنحن أمام أنموذج فريد من مفاهيم الأمن، قد يكون أقرب للأمن الأوروبي بتشكيل كيان أمني قوي وفاعل وقادر على الحفاظ على أمن وإنجازات ودور هذه الدول في مواجهة كل المخاطر التي تهددها.
