الماء: هو شُعلة مبللة
(نوفاليس)
سأل الكاتب المغربي الذي من مدينة طنجة: كيف تدمج ذاتك في مدينة متعددة الثقافات؟. ولم ينتظر جوابي، بل قال: اقرأ الجواب الخطاب، على الصفحة الأخيرة من جريدتكم في عددها يوم الأربعاء الماضي.
قلت: يا صديقي، يشغلني السؤال اليوم، كما شغلني بالأمس، وأجبت عنه أمس، وأجيب عنه اليوم في كل لحظة، لأنني عشت، ورأيت النور فعلاً، في مدينة متعددة الثقافات، متعددة الأعراق، جمعت السومريين والمانويين واليهود والمندائيين والمسيحيين والمسلمين.
ثم قلت: نحن عرب، وبيننا كرد وفرس، وآخرون لا نعرف لهم أصلاً، لكنهم ميسانيون، عراقيون، تشربوا بالثقافة العربية، واحتفظ كل فريق بثقافته الخاصة، وهذا هو التنوع في الوحدة.
لكن الذي تطرحه هيئة دبي للثقافة والفنون تحت شعار ثقافة الإبداع، في ذلك الإعلان الثقافي الذي استلفت انتباه صديقي المغربي الذي من طنجة، ينبغي أن يتوقف عنده من يُعنى بمفهوم المدينة والثقافة، ويعتني بالمدينة، أي مدينة، بكونها حالة ثقافية تنمو، وتسير نحو التكامل، وتجتهد لتتميز، من دون أن تتنازل عن هويتها التاريخية، وتكوينها الأصيل.
إن موسكو مثلاً مدينة متعددة الثقافات، لكنها روسية بامتياز، بل عاصمة هذه الروسيا التي من أبنائها غوغول وغوركي وستالين وبوشكين وتولستوي.
وكم حاول فلاديمير اليتش لينين، طرد دستويفسكي منها، فلم يدرج اسمه في قائمة أبنائها بعد الثورة البولشفية، وقدم عليه بوشكين، إلا أن هذا الرجل اليهودي تمت إدانته بعد ذلك، وسحب تمثاله المعروف من أشهر ساحات العاصمة السوفييتية سابقاً.
وهناك باريس أيضاً.
وهناك المثل الأقرب إليها: بومبي. فهي مدينة هندية بامتياز رغم تعددها العرقي والثقافي والديني واللوني.
ولذلك، فإن ما تطرحه هيئة دبي للثقافة والفنون حول مدينة متعددة الثقافات، ليس استيراداً من القمر، ولا هو فكرة مرسلة من أحد كواكب مجرة التبانة. بل هو مفهوم المدينة والثقافة في الآن الحالي، والمستقبل المنظور أيضاً.
خُذْ: عكّا أو دمشق أو بغداد أو القاهرة، ثم تمعن في الطبقات الديموغرافية لكل منها على حدة، بهدوء وعقلانية وتدبر، ستجد أن التعدد السكاني والتنوع الثقافي، في سياق وحدة الضمير، هما العنوان الكبير لكل واحدة منها.
ولا بأس في القول إن هذه ثقافة جديدة، كما تطرح ثقافية دبي ذلك. لأن هذه الفكرة لا تقوم، ولا تنمو، ولا تكبر وتتطور، ولا تكتسب خصوصيتها إلا بالحوار والتأمل والعقل والعلم والروح.
www.juma-allami.com