الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

سيولة المعرفة

29 مايو 2026 00:29 صباحًا | آخر تحديث: 29 مايو 00:29 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
نحن نعيش عصر استهلاك المعرفة لا توظيفها، والملاحظ أنها لم تعد تسهم في التكوين الثقافي للإنسان. في الماضي كانت المعرفة تبني الإنسان، تشكل عقله ورؤاه وتساعده على اتخاذ القرارات والسلوك، بناء على المعلومات المتوفرة لديه، ومع تراكم معرفة بعض الشرائح تشكلت النخب، وبرغم أن مفهوم النخب يشمل تلك الشرائح العليا في مجالات عدة، إلا أن المقصود به غالباً النخب المعرفية، ما يؤكد تلك القوة التي تمتعت بها المعرفة وطرائق توظيفها واستخداماتها في الماضي، لقد كانت المعرفة حجر الزاوية في التكوين العقلي والنفسي لكثيرين، وهناك أطروحات وكتب كاملة يحدثنا فيها هذا الكاتب أو ذاك المفكر، عن الروافد المعرفية التي شكلته أو صنعته على وجه الدقة، ما يؤكد أن المعرفة في وقت ما كانت تساوي الإنسان نفسه.
الآن المعرفة متاحة للجميع، وعلى مدار الساعة، ولكن هل اتسعت شرائح النخب؟ أو هل زادت درجة الوعي؟ أم أن الجهل الذي كنّا نصطدم به في الماضي أصبح هو السائد؟ إلى درجة أن كثيرين أصيبوا بالإحباط واليأس لفشلهم في مواجهة طوفان الجهل.
في الماضي كانت الخرافات شائعة ونظرية المؤامرة، على سبيل المثال، منتشرة، ولكن لم تكن الخرافة أو المؤامرة نموذجاً للقياس، وكان أتباعهما أقلية ويتوارون عن الأنظار، وإذا حدثتهم بالعقل أو المنطق أصيبوا بالخجل أو سكتوا، الآن يمكن ملاحظة أن الجهل وملحقاته قد ارتدوا زي المعرفة، وأصبحت لهم أفكارهم وحججهم، أي صنعوا المنطق الخاص بهم والذي يمكّنهم من مواجهة العقل، الحقيقي.
لقد كنّا نعيش في زمن المعرفة الصلبة، المنتجة، الآن اختلفت قواعد اللعبة، نحيا في عصر سيولة المعرفة، هي موجودة في كل مكان، ولكننا لا نشعر بها، أو تأتي بنتائج عكسية، ففي زمن الحداثة ساد العقل الديكارتي العملي، والمنطق القديم، كما عرفنا قواعده وتعلمناها، واحتل العلم بقوانينه الصارمة الساحة، وجاءت مرحلة ما بعد الحداثة لتقول إن هذه المكتسبات الإنسانية ليست منتهى الطلب أو فصل الخطاب، وخرجت علينا أطروحات تشكك في العقل، وتفكك المنطق وتسقط عرش العلم. وفي عصرنا الراهن الذي لم نستقر تماماً على توصيفه ساد الاضطراب مختلف الحقول، بل وأصبحنا مثل السوفسطائيين، فالإنسان معيار كل شيء، والإنسان هنا ليس كلمة تدل على الجنس البشري أو العقل العام، ولكنه يحيل مباشرة إلى الفرد، فكل شخص بإمكانه أن يقبل العلم أو يرفضه أو يرضى بالعقل أو ينبذه، أو يستمع إلى المنطق أو لا يأخذ به، وكأن هذه القيم المعيارية باتت نسبية تخضع للهوى والتوجه الفردي.
هذه الصورة بالطبع أسهمت في تشكلها تقنيات العولمة الفائقة الحداثة، فعندما أجلس معزولاً أطل على العالم من خلال شاشة ضيقة لا يشاركني فيها أحد، أتعلم من هذه الشاشة كل شيء، ولا رقيب أو مرب أو مراجع، ولعقلي الحرية المطلقة في قبول أو رفض أي شيء، ومع سيولة المعرفة المنفلتة من عقالها، يصبح كل شيء صائب وخاطئ في الوقت نفسه.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة