مضت أسابيع على احتلال "داعش" للموصل وعلى توسعها في الأراضي العراقية، ولكن مع ذلك يجد الكثيرون صعوبة في فهم السرعة في إنجاز الاحتلال والسهولة التي أتم بها "داعش" الاستيلاء على ثاني مدينة في العراق، وعلى اكتساحه مناطق أخرى من العراق . لقد وعد نوري المالكي بالكشف عن أسرار "المؤامرة" واسماء المتآمرين وبالتالي رفع الستار عن غرائب هذا الحدث، ولكن المالكي لم يفعل شيئاً من هذا . ولم تتطوع جهة رسمية عراقية أو أجنبية لها علاقة بهذا الحدث بتقديم تفسير مقبول لسر النجاح العسكري السريع والغريب الذي حققه "داعش" . ولكن بصرف النظر عن الأسباب المباشرة لاحتلال الموصل والتوسع السريع الذي حققه في العراق، فإنه يمكن فهم الأسباب غير المباشرة لهذا الحدث .
السبب الأول يمكن فهمه بالعودة إلى الحرب الأمريكية على العراق وإلى المرحلة التمهيدية له . ولقد انقسم الأمريكيون المعنيون بهذا الأمر إلى فريقين: الأول تكون من الذين نظروا إلى الأمر من منظار مهني وأمريكي . ففي حسابات هؤلاء مثل رئيس الأركان الأمريكي اريك شينيسكي وعالم السياسة فرانسيس فوكوياما أن الذهاب إلى الحرب يقتضي الإعداد لمرحلة ما بعدها أي مرحلة ما بعد صدام . الفريق الثاني، تكون من بعض القوميين الأمريكيين المتعصبين مثل ديك تشيني والمحافظين الجدد مثل بول وولفويتز ووليم كريستول وروبرت كوغان فقد اعتبروا أنه لا حاجة إلى التفكير بهذا الأمر سلفاً . تشيني اعتبر أن الحرب على العراق هي لتغيير نظامه وليس لبناء البلد أو لبناء الوطن . يضيف البعض إلى ذلك أن تشيني كان متحمساً للحرب، مهما كانت النتائج لأنه كان يعرف أن شركة هاليبيرتون التي كان يترأسها سوف تحقق -كما حدث بالفعل- مئات الملايين من الدولارات من الأرباح . لقد تغلب الفريق الثاني على الأول فذهبت الولايات المتحدة إلى الحرب في العراق دون إعداد كاف لمرحلة ما بعد الحرب، أي تلك المرحلة التي بدأت عام 2003 ولم تنته حتى الآن، أي حتى اقتحام "داعش" تاريخ العراق الحديث .
السبب الثاني، هو أنه رغم حملة التسخيف والترهيب التي شنها الفريق الثاني على الفريق الأول فإن الكونغرس الأمريكي فرض بعض المداولات لفكرة الحرب . في هذه المشاورات المحدودة، أبلغت رئاسة أركان الجيش الأمريكي لجان الكونغرس الأمريكي المختصة بأن احتلال العراق يتطلب بسط الأمن بعد الاحتلال وأن ترسيخ الاحتلال والقضاء على أية مقاومة لها يتطلب إرسال 300 ألف جندي أمريكي كما يتطلب أيضاً وضع خطط شاملة لبناء الدولة العراقية وتقديم أوسع الخدمات للعراقيين حتى يقبلوا بالتعاون مع الاحتلال . الرقم الذي اقترحته رئاسة الأركان لعديد قوات الاحتلال رفض كلياً من قبل وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ونائبه بول وولفويتز وتعرض إلى التسفيه العلني من قبل الاثنين بحيث اعتبره الأخير نوعاً من المبالغة المستغربة . يعود ذلك الموقف إلى أن الاثنين يعرفان أنه لم يكن من السهل تجميع مثل هذا العدد الضخم من القوات وإرسالها إلى العراق . بدلاً من ذلك أرسلت إدارة بوش ما وصفه توم ريكس المحلل العسكري الأمريكي الحائز على جائزة بوليتزر والذي يكتب في وول ستريت جورنال بأنه "جيش صغير مزود بأسوأ خطة حربية في تاريخ الولايات المتحدة" .
السبب الثالث هو القرار الذي اتخذته إدارة بوش بحل الجيش العراقي . حتى الآن من الصعب أن يعرف المرء من هو صاحب هذا القرار . تنصل منه كل المسؤولين مما يذكرنا بالقول المشهور: الهزيمة يتيمة أما الانتصار فله ألف أب . ولقد ساوى العديد من المعنيين بالشأن العراقي ذلك القرار بالهزيمة بسبب نتائجه التخريبية والمدمرة . فالجيش العراقي الذي بلغ تعداده حوالي أربعمئة ألف جندي كان قادرا على تعويض نقص عديد القوات الأمريكية . في رأي الكثيرين من علماء السياسة الأمريكيين ومنهم من أيد الحرب مثل عالمي السياسة فرانسيس فوكوياما ولاري داياموند، أن القوات العراقية كانت قادرة على بسط الأمن ومنع انهيار العراق . ولم يقلل أصحاب وجهة النظر هذه من صعوبات إقناع الجيش العراق القديم بالتعاون مع الاحتلال في مجال حفظ الأمن، ولكنهم اعتقدوا أن هذا الأمر ممكن إذا جرت تشكيلات في صفوف قيادة الجيش فأبعد عنها الضباط الكبار الذين شكلوا جزءاً من النخبة الحاكمة السابقة .
السبب الرابع لم يكن حل الجيش فحسب، وإنما أيضاً طريقة تنفيذه . لقد تغاضى الذين نفذوا هذا القرار عن خبرات بناء الدولة في مناطق عدة في العالم حيث ساهمت القوات الأمريكية في بناء الدولة في بناما وسلفادور وكوسوفو وجمهوريات آسيا الوسطى . بموجب هذه الخبرات كان مفروضاً تطبيق الحل بالتدرج، وبتأكيد حصول المجندين على تعويضات كافية لهم تستمر حتى حصولهم على عمل جديد . لقد حل الجيش دفعة واحدة، ولم يحصل العسكريون على أي تعويض مادي يمكنهم من مواجهة الأعباء المادية، فتضافرت مرارة الهزيمة الوطنية مع فقدان الموارد والدور لكي تعمق النقمة على الاحتلال وعلى الوضع الراهن الذي أفرزه الاحتلال .
السبب الخامس ولعله أهم الأسباب هو أن إعادة بناء الجيش اقترنت بانتشار الفساد في سائر مؤسسات الدولة ومنها المؤسسات الأمنية، كما يقول باتريك كوكبورن في كتابه الجديد، "عودة الجهاديين" . يعرض كوكبورن العديد من الامثلة على انتشار هذه الظاهرة . فلقد أرسلت خمس فرق من الفرق العراقية الخمسة عشر إلى الأنبار لكي تقمع الأنباريين ومن بعدها لصد "داعش" . ولكن العديد من هذه القوات كانت تفتقر إلى السلاح وإلى الوقود للنقل وحتى إلى الوجبات الغذائية لإطعام الجنود . يضيف كوكبورن بأن بعض الضباط كانوا يرشون المسؤولين لتعيينهم في المواقع التي يسهل فيها عقد الصفقات وتكوين الثروات الطائلة على حساب القوات المسلحة العراقية .
هذا النمط من الضباط هم من أوائل الذين ارتدوا ثيابهم المدنية وأخلوا ساحات الموصل لكي يحتلها "داعش" بعدد ضئيل من المقاتلين . لقد دمر الاحتلال قسماً من القوات العراقية وأكملت حكومة المالكي هذه المهمة لأن رئيسها كان مهتماً ببناء قوات تدين له بالولاء وتقف إلى جانبه ضد القيادات العراقية الأخرى . وبين الأجندة الأيديولوجية لرعاة الحرب على العراق في واشنطن وبين الأجندة الشخصية للمالكي تمكن "الداعشيون" من اختراق أرض العراق ومن إهدار دم العراقيين وتدمير ما لم تدمره قوات الاحتلال خاصة على صعيد النسيج المجتمعي والوطني الذي يضم العراقيين بصرف النظر عن دينهم أو مذهبهم أو انتمائهم الاثني أو الطبقي .
السبب الأول يمكن فهمه بالعودة إلى الحرب الأمريكية على العراق وإلى المرحلة التمهيدية له . ولقد انقسم الأمريكيون المعنيون بهذا الأمر إلى فريقين: الأول تكون من الذين نظروا إلى الأمر من منظار مهني وأمريكي . ففي حسابات هؤلاء مثل رئيس الأركان الأمريكي اريك شينيسكي وعالم السياسة فرانسيس فوكوياما أن الذهاب إلى الحرب يقتضي الإعداد لمرحلة ما بعدها أي مرحلة ما بعد صدام . الفريق الثاني، تكون من بعض القوميين الأمريكيين المتعصبين مثل ديك تشيني والمحافظين الجدد مثل بول وولفويتز ووليم كريستول وروبرت كوغان فقد اعتبروا أنه لا حاجة إلى التفكير بهذا الأمر سلفاً . تشيني اعتبر أن الحرب على العراق هي لتغيير نظامه وليس لبناء البلد أو لبناء الوطن . يضيف البعض إلى ذلك أن تشيني كان متحمساً للحرب، مهما كانت النتائج لأنه كان يعرف أن شركة هاليبيرتون التي كان يترأسها سوف تحقق -كما حدث بالفعل- مئات الملايين من الدولارات من الأرباح . لقد تغلب الفريق الثاني على الأول فذهبت الولايات المتحدة إلى الحرب في العراق دون إعداد كاف لمرحلة ما بعد الحرب، أي تلك المرحلة التي بدأت عام 2003 ولم تنته حتى الآن، أي حتى اقتحام "داعش" تاريخ العراق الحديث .
السبب الثاني، هو أنه رغم حملة التسخيف والترهيب التي شنها الفريق الثاني على الفريق الأول فإن الكونغرس الأمريكي فرض بعض المداولات لفكرة الحرب . في هذه المشاورات المحدودة، أبلغت رئاسة أركان الجيش الأمريكي لجان الكونغرس الأمريكي المختصة بأن احتلال العراق يتطلب بسط الأمن بعد الاحتلال وأن ترسيخ الاحتلال والقضاء على أية مقاومة لها يتطلب إرسال 300 ألف جندي أمريكي كما يتطلب أيضاً وضع خطط شاملة لبناء الدولة العراقية وتقديم أوسع الخدمات للعراقيين حتى يقبلوا بالتعاون مع الاحتلال . الرقم الذي اقترحته رئاسة الأركان لعديد قوات الاحتلال رفض كلياً من قبل وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ونائبه بول وولفويتز وتعرض إلى التسفيه العلني من قبل الاثنين بحيث اعتبره الأخير نوعاً من المبالغة المستغربة . يعود ذلك الموقف إلى أن الاثنين يعرفان أنه لم يكن من السهل تجميع مثل هذا العدد الضخم من القوات وإرسالها إلى العراق . بدلاً من ذلك أرسلت إدارة بوش ما وصفه توم ريكس المحلل العسكري الأمريكي الحائز على جائزة بوليتزر والذي يكتب في وول ستريت جورنال بأنه "جيش صغير مزود بأسوأ خطة حربية في تاريخ الولايات المتحدة" .
السبب الثالث هو القرار الذي اتخذته إدارة بوش بحل الجيش العراقي . حتى الآن من الصعب أن يعرف المرء من هو صاحب هذا القرار . تنصل منه كل المسؤولين مما يذكرنا بالقول المشهور: الهزيمة يتيمة أما الانتصار فله ألف أب . ولقد ساوى العديد من المعنيين بالشأن العراقي ذلك القرار بالهزيمة بسبب نتائجه التخريبية والمدمرة . فالجيش العراقي الذي بلغ تعداده حوالي أربعمئة ألف جندي كان قادرا على تعويض نقص عديد القوات الأمريكية . في رأي الكثيرين من علماء السياسة الأمريكيين ومنهم من أيد الحرب مثل عالمي السياسة فرانسيس فوكوياما ولاري داياموند، أن القوات العراقية كانت قادرة على بسط الأمن ومنع انهيار العراق . ولم يقلل أصحاب وجهة النظر هذه من صعوبات إقناع الجيش العراق القديم بالتعاون مع الاحتلال في مجال حفظ الأمن، ولكنهم اعتقدوا أن هذا الأمر ممكن إذا جرت تشكيلات في صفوف قيادة الجيش فأبعد عنها الضباط الكبار الذين شكلوا جزءاً من النخبة الحاكمة السابقة .
السبب الرابع لم يكن حل الجيش فحسب، وإنما أيضاً طريقة تنفيذه . لقد تغاضى الذين نفذوا هذا القرار عن خبرات بناء الدولة في مناطق عدة في العالم حيث ساهمت القوات الأمريكية في بناء الدولة في بناما وسلفادور وكوسوفو وجمهوريات آسيا الوسطى . بموجب هذه الخبرات كان مفروضاً تطبيق الحل بالتدرج، وبتأكيد حصول المجندين على تعويضات كافية لهم تستمر حتى حصولهم على عمل جديد . لقد حل الجيش دفعة واحدة، ولم يحصل العسكريون على أي تعويض مادي يمكنهم من مواجهة الأعباء المادية، فتضافرت مرارة الهزيمة الوطنية مع فقدان الموارد والدور لكي تعمق النقمة على الاحتلال وعلى الوضع الراهن الذي أفرزه الاحتلال .
السبب الخامس ولعله أهم الأسباب هو أن إعادة بناء الجيش اقترنت بانتشار الفساد في سائر مؤسسات الدولة ومنها المؤسسات الأمنية، كما يقول باتريك كوكبورن في كتابه الجديد، "عودة الجهاديين" . يعرض كوكبورن العديد من الامثلة على انتشار هذه الظاهرة . فلقد أرسلت خمس فرق من الفرق العراقية الخمسة عشر إلى الأنبار لكي تقمع الأنباريين ومن بعدها لصد "داعش" . ولكن العديد من هذه القوات كانت تفتقر إلى السلاح وإلى الوقود للنقل وحتى إلى الوجبات الغذائية لإطعام الجنود . يضيف كوكبورن بأن بعض الضباط كانوا يرشون المسؤولين لتعيينهم في المواقع التي يسهل فيها عقد الصفقات وتكوين الثروات الطائلة على حساب القوات المسلحة العراقية .
هذا النمط من الضباط هم من أوائل الذين ارتدوا ثيابهم المدنية وأخلوا ساحات الموصل لكي يحتلها "داعش" بعدد ضئيل من المقاتلين . لقد دمر الاحتلال قسماً من القوات العراقية وأكملت حكومة المالكي هذه المهمة لأن رئيسها كان مهتماً ببناء قوات تدين له بالولاء وتقف إلى جانبه ضد القيادات العراقية الأخرى . وبين الأجندة الأيديولوجية لرعاة الحرب على العراق في واشنطن وبين الأجندة الشخصية للمالكي تمكن "الداعشيون" من اختراق أرض العراق ومن إهدار دم العراقيين وتدمير ما لم تدمره قوات الاحتلال خاصة على صعيد النسيج المجتمعي والوطني الذي يضم العراقيين بصرف النظر عن دينهم أو مذهبهم أو انتمائهم الاثني أو الطبقي .