انضم الأردن قبل أيام لدول تزمع أو باشرت حواراً مع سلفيين في معتقلاتها. وتضم مراكز الإصلاح الأردنية عشرات من هؤلاء من المصنفين تكفيريين وجهاديين ومتهمين بالقيام بحيازة أسلحة، ومباشرة أعمال عنف أو التخطيط لها.
تنأى الحركة الإسلامية (جبهة العمل الإسلامي: ستة مقاعد في مجلس النواب) عن هؤلاء، ولا تتبنى قضيتهم باستثناء انتقاد ما يتواتر من أعمال تعذيب متفرقة، تتحدث عنها تقارير دولية بحق بعضهم، أو تبدي قدراً من التضامن معهم في حال إضرابهم عن الطعام. وتفتح السلطات أبواب المعتقلات أمام ممثلي منظمات حقوق انسان، مثل منظمة امنستي (العفو الدولية) وهيومان رايتس ووتش.
الحوار المزمع مع هؤلاء يتعهده رجال دين أو أساتذة كلية الشريعة. الإعلان عن الخطوة قوبل بترحيب ملحوظ من المعنيين عكسته متابعات صحافية، وذلك بفتح باب آخر يختلف عن الإجراءات والمعالجات الأمنية. وبانتظار ظهور نتائج لهذا الأسلوب الجديد في التعامل من الواضح أن الظاهرة الأصولية، ربما في الأردن بصورة أقل، تكمن وتتفاعل تحت سطح الحياة السياسية والاجتماعية في البؤر الأشد فقراً وتهميشاً، وأحيانا لدى فئات من المتعلمين من الطبقة الوسطى، وليس هناك ما يشير إلى ان اتجاهات الإسلام السياسي المعتدل أفلحت في احتوائهم أو الحد من وجودهم واجتذابهم إليها: إلى الأحزاب العلنية المرخصة، غير أن الانحسار العام لموجات تكفيرية ممثلة على الخصوص بمنظمة القاعدة، وصعود أحزاب وحركات لا تمارس المناهضة العشوائية وتمتلك خطاً تحررياً وعقائدياً مثل حزب الله في لبنان وحركة حماس في فلسطين، أضعفا عملياً من نفوذ الجماعات الأصولية، ونزعا المسوغات السياسية والعقائدية لها.
معلوم أن حلقات الحوار التي نشأت في دول مثل مصر والمملكة العربية السعودية، أسهمت في الحد من الاحتشاد الذاتي لهذه الظاهرة، وفي ظهور موجات من المراجعين أو التائبين. في مصر ذخر يمثله الأزهر وحشود من الفقهاء والعلماء وأساتذة العلوم الشرعية بوسعهم فتح حوار شرعي مع متشددين. وفي السعودية فإن الدولة القائمة على أسس دينية ورعاية أماكن العبادة الأكثر قدسية، والمجتمع شديد التدين، ما يتيح التعامل مع هذه الظاهرة بصورة شرعية (على أسس الشرع). وفي العامين الأخيرين انضمت المغرب للخوض في هذا الخيار، وسط تعضيد له من الفاعلين السياسيين، ولوحظ ان المغرب تميزت بفرز فقيهات لهذه الغاية يتوجهن إلى شرائح النساء الناشطات في حركات أصولية، وتتوفر تلك الفقيهات على علوم اجتماعية وتربوية، إضافة إلى العلم الديني. وتتيح الحياة السياسية والثقافية الدينامية في هذا البلد الذهاب بعيدا في الحوار دون حساسيات.
في الأردن، الحياة الديمقراطية النسبية، والترخيص لحزب إسلامي: جماعة الإخوان، وازدهار المطبوعات الإعلامية (صحيفة الإخوان الأسبوعية السبيل نالت ترخيصاً بالصدور بصورة يومية)، يسهم في إتاحة خيارات أخرى أقل تكلفة أمام المتشددين. ينبغي الإقرار في هذا الصدد، أن كثيرا من هؤلاء نشأوا على استبعاد الحوار كأسلوب للتأثير، وانحازوا للفعل: العنف، لا للكلمة وينظرون للدولة وحتى المجتمع كعدو يتعين محاربتهما، لا الأخذ والرد معهما.
مباشرة الحوار معهم، وهم وراء القضبان، رغم أي تشكيك فيه، مفيد نظرياً وابتداء، لجهة تنحية خيار العنف من جانبهم ومن جانب السلطات. ولبلوغ نتائج مشجعة، فإنه من الأهمية بمكان أن ينأى المتحاورون عن تمثيل السلطات والنطق باسمها، وعلى الأقل اتخاذ مسافة عنها، من أجل خوض حوار مفتوح في أجواء مناسبة لا توحي باستبدال أسلوب العصا بالجزرة، أو شراء ذمم المعتقلين وتأليب بعضهم على بعض. وبحيث يتقدم المتحاورون من خارج القضبان بصفتهم ممثلين للمجتمع المسلم، ولجمهرة العلماء والمدرسين، ولإبلاغ رسالة مفادها أن الانشقاق عن المجتمع وتكفيره وتهديده بالعنف، ليست من الدين في شيء، ولا من شيم الجسارة والاقتدار، بل هي ببساطة وصفة للشقاق والتنازع الأهلي وتبديد طاقات الأمة.
في العديد من دول العالم وبينها دول عربية أمكن احتواء ظواهر انقلابية، واجتذاب أعضائها إلى الحياة السياسية العامة، السلمية والمدنية. في غير بلد عربي، نماذج لا تحصى على مثل هذه التحولات طيلة نصف قرن مضى. ولئن كان العديد من هؤلاء انضموا إلى صفوف السلطات وباتوا من أركانها والنافذين فيها، فالصحيح أيضاً أن كثيرين آخرين انصرفوا إلى أطر سياسية أو نشاطات إعلامية وبحثية حارج دائرة السلطة، وباتوا من نابذي العنف الذي يرتد على المجتمع في المقام الأول.
لا شيء يحول دون تكرار التجربة مع متشددين إسلاميين، وكثير منهم قادته تحشدات وجدانية وعقائدية، لا خيارات وتحيزات سياسية واضحة إلى الطريق التي سلكها، مع الأخذ في الاعتبار أن الحوار مع هؤلاء كي يكون مجديا ومثمراً، لا بد أن ينبثق من بيئة سياسية واجتماعية أوسع، تأخذ بالحوار كقيمة وأسلوب حياة، وتحتكم للفصل بين السلطات والتداول السلمي المقنن على السلطة التنفيدية، كركن ركين للعملية السياسية. علاوة على الحاجة إلى مشروع وطني وقومي عام يلهم الأمة والمكونات الاجتماعية المختلفة، ويضبط إيقاع التشدد والتهاون على السواء.