غضبت سيدة عربية فازت ذات يوم في الانتخابات البرلمانية من صفة نائبة، وقالت إن هذه الكلمة في لغتنا العربية تعني المصيبة أو الكارثة، واستشهدت ببيت شعر يقول صاحبه ما أكثر الاخوان حين تعدهم.. ولكنهم في النائبات قليل.
وقبلها بعقود طالبت أستاذ لا أستاذة كي لا تتقلب في قبرها بحذف نون النسوة من قواعد النحو العربي، وعيّرت امرأة ثالثة الرجال بأن منهم من لقب بابن أبيه على طريقة زياد بن أبيه، لكن ما من أحد لقب بابن أمه لأن الأم هي الأصل والنبع.
هذه التداعيات أثارتها في الذاكرة السيدة الأفغانية أوكمينا التي خاضت معركة الانتخابات في أفغانستان مع نساء أخريات خصص لهن الدستور الأفغاني ربع المقاعد في المجالس المحلية، السيدة أوكمينا لم تطالب بحذف أي حرف أو ضمير له علاقة بالأنوثة، ولم تغضب من صفة نائبة لأنها لا تعرفها كما أنها لم تقلد الأمازونيات اللائي كن يبترن الثدي الأيمن كي لا يعوقهن عن استخدام القوس في أول حرب نسوية ضد الذكور، لكنها اختارت شيئاً آخر، هو التماهي مع الرجال، وارتداء عمامة سوداء وتعليق مسدس على حزام، وتقول إنها اضطرت لذلك كي تحمي نفسها، وهذا بحد ذاته اعتراف بأن المرأة لا تزال امرأة، وأن نيل الحقوق والاعتراف لا يتحقق بالتشبه بالرجال، وربما كان العكس هو الصحيح، وما لم تكتشفه السيدة الأفغانية هو ببساطة أنها عندما تفوز يكون هذا الفوز لصالح الرجل الذي تتقمصه وتتماهى معه في الزي والمظهر العام، وإن كان الصوت غير أمين على كتم الأسرار.
وهذه قضية مزمنة، طالما أوقعت النساء الحالمات بتجاوز الشروط التي تحاصرهن في كمين ذكوري، فالمرأة لا تحقق انتصاراً إذا استقالت من جنسها وخلعت أنوثتها واسترجلت، على الطريقة التي كان العرب القدماء يصفون بها البعير إذا استنوق أي تشبه بالناقة.
وليس الهدف الأخير لنضال المرأة هو التنكر لأنوثتها التي هي المرادف التاريخي والطبيعي للخصب والحرية والديمقراطية أيضاً، وإذا كان الشاعر الفرنسي اراغون قال إن المرأة هي مستقبل الرجل، فإن فوكوياما ذهب إلى ما هو أبعد في مقال طويل تحت عنوان تأنيث التاريخ، فالأنوثة هي كما يرى علماء اجتماع وباحثون معاصرون أقرب من الذكورة إلى الصفات الإنسانية الراقية، والأقل ارتهاناً للأنانية، والأميل إلى العطاء.
إن من حق المرأة العربية أن ترفض صفة نائبة لأسباب لغوية خالصة، لكن الغلو في الانخلاع والاستقلال عن الأنوثة هو هزيمة أخرى قد تكون الأكبر بعد تلك الهزيمة الكبرى في التاريخ التي يقول علماء الأنثربولوجيا ومنهم ميلانوسكي إنها لحقت بالمرأة بعد اكتشاف البرونز وصناعة الأسلحة الأولى منه.
وما يجب عدم إغفاله في هذا السياق هو تلك المديونية الباهظة التي ترى نساء العالم بأن الرجال تورطوا بها منذ ستة آلاف عام وعليهم تسديدها، لكن هناك نساء مبالغات، يطالبن الرجل بنسبة من الربا سواء كان ربا سياسياً أو اجتماعياً أو أخلاقياً.
ولأن المسألة أعقد من نون النسوة وتاء التأنيث والشرط العضوي للكائن، فإن نضال المرأة تاريخياً لا يعني السباحة ضد تيار أنوثتها وخصائصها.
وتقليد الرجل أو تقمصه هو هزيمة باسم مستعار.