ليس بغريب ان يركز كتاب مهم للغاية من التراث الاسلامي، مطهرة القلوب للأمام ابو حامد الغزالي. والذي يشرحه باللغتين الداعية الاسلامي الشيخ حمزة يوسف، بصورة مركزة للغاية على الربط - بين قضية سيادة الشهوات المختلفة، وتأثيراها فينا كبشر. وتحويلنا الى كائنات ماسخة تدار برموت كنترول شهواتها اللامتناهية الى الخارج والعابر والأرضي.
ويربط الشيخ يوسف هنا بين فلسفة الشيخ الغزالي في القدرة على قيادة الذات وبين تفاصيل الخطر بالإعلان كوسيلة للتأثير في السلوك. وأن خطورتها في النفاذ الى السلوك البشري واستخدامها للغرائز كأداة متفردة للسعادة والاسعاد والشعور بتحقيق وإحلالها كبديل كامل لكل ما يحقق الذات الانسانية. وانحدرت المسألة لدرجة بيع الناس أنفسهم لوسائل الاعلام، وتنافس وكالات الإعلان على من يبيع أناسا أكثر لوسائل الاعلام. بمعنى تحويلهم الى أدوات تلقى وإستهلاك مباشرة، ليس لها ملامح غير قدرتها على الشراء والامتلاك. وربما يكون الأخطر في ظني من كل ذلك هو الفكرة العميقة وراء الاستهلاك المبالغ فيه، والبحث عن المتعة الضائعة بين ثناياه، بحيث تظل فردوسنا المفقود كبشر والى الأبد، فلا نهاية للطمع، ولا للرغبة في الامتلاك، إلا بصيام إنساني حقيقي عنها.
فتح ذلك لتداعيات كثيرة في أيامنا ونحن نعيش شهرا هو الأنقى والأطهر وأكثرها زهدا بالدنيا، وما أوغلنا في الزج به في مشهدية هذا الشهر الرائع البريء كل البراءة من مبارياتنا للمشاهدة أكثر والاستهلاك والامتلاك اكثر وأكثر. فهو الشهر الذي تخلص فيه النيات بامتياز نادر للسفر بلا حدود الى وجه الكريم. الا ان وسائل الاعلام المختلفة جعلته سوقا إعلانيا شرسا للتنافس الغريزي الارضي بلا منازع فحولتنا لأرقام عليها ان تتسمر ليل نهار أمام الشاشات في حالة تجمد عقلي وروحي تامة. كائنات حجرية بلا حراك حتى ولوطار المقعد من تحتها. وفي الصباح نعسة ومتثاقلة وعصبية، وإذا ما سألت فإنها طبيعة رمضان، معاذ الله.
وعودة لمطهرة القلوب، فإن الاستهلاك والرغبة في التملك مرض من أمراض القلوب التي يعلمنا الصوم تجاوزها وتجاهلها والاستقواء عليه. ففي قول الغزالي الكثير من المعاني إذ يقول: للشفاء من البطر، عالجه بالجوع وذكر الآخرة.
وفي الفلسفات العميقة القديمة معتقدات جمة مفادها ان الاكثار من الطعام يقتل القلب.. فكيف بنا ونحن نحارب القلب والروح بأطنان من الطعام، والشهوات المدمرة المختلفة وتقطيع الوقت بصورة قاتلة عبر جسور تلفزيونية هي الأسوأ. وكأننا نحسد أنفسنا على ان لدينا وقتا للروح والنفس والتأمل فنجاهد للقضاء عليها بالمزيد من الانشداد للدنيا وشهواتها اللامتناهية.
من رشح كل ما جرى ويجري، فإن معركة البشرية الأهم والاعمق والأصعب في البحث عن سعادتها عبر أروقة الذات التي لا تحدها حدود ولا تطاولها سماء.