ثمة مظاهر متسارعة تضج بها الصين حالياً، منها أوضاع داخلية كقضية هونج كونج، وخارجية كتسعير الولايات المتحدة للحرب التجارية معها. ولم تقف هذه التطورات عند هذا الحد لتفجر الإدارة الأمريكية تهديداً بإدراج الصين على لائحة الدول المتلاعبة بعملاتها، ما يزيد منسوب التوتر بين الطرفين ويشي بافتعال أو تحريك أحداث من شأنها زعزعة الاستقرار الصيني الموصوف عالمياً بخزان الصناعات العالمية الواعدة.
هذه الإشارات واضحة المعالم، ربما تضع الصين في مسارات سبق أن جُرِّبت في مناطق متعددة من دول العالم، وعبرها قُلبت أنظمة حكم من الصعب تخيل تغيّرها بهذه السهولة، مثال الثورات الملونة في أوكرانيا وجورجيا وغيرها، واليوم ما يجري من حراك في هونج كونج، يؤشر على أن الموضوع ليس عابراً أو واقعة احتجاجية معزولة عن سياقات محددة، يمكن استثمارها واستغلالها داخلياً وخارجياً. فالاحتجاجات التي سُمّيت «ثورة المظلات» هي تعبير رمزي عن جدلية الوضع الخاص لأغنى مدينة في الصين، وثالث أكبر مدينة مالية على المستوى العالمي، وهي التي ظلت تحت الحكم البريطاني 155 عاماً، إلى أن وضعت تحت نظام إداري خاص في العام 1997، فهل تشكل هذه الاحتجاجات بداية حراك تغييري ضاغط في الصين حالياً؟
عاصفة التغييرات التي هبّت نهاية ثمانينات القرن الماضي وأسقطت المنظومة الاشتراكية وما تلاها بعد عقد ونيف من الزمن من ثورات ملونة، ربما كانت مستبعدة عن الوضع الصيني أولاً، لتنبه الحزب الشيوعي لمخاطر السياسات التقليدية التي كانت متبعة، واستدارته نحو نظام هجين جمع بين أسس الرأسمالية والاشتراكية معاً، وثانياً ما أشيع من أن أي تغييرات في الصين وتفكك النظام، ستهز العالم لعدم القدرة على ضبط الكم الهائل من البشر في حال تفلتت الأمور من عقالها.
حالياً ترتكز الصين على ثاني اقتصاد عالمي مؤثر في الوجهات المالية والتجارية الدولية، وهي منافس حقيقي لواشنطن، وتخوض معها مواجهات سياسية واقتصادية وتجارية هائلة في موضع الانطلاق نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب بعد الأحادية السائدة، في وقت لم يعد سراً مجاهرة واشنطن بخوفها من بكين واعتبارها خطراً حقيقياً أكثر جدية من التخوّف من موسكو، وهو ما يشكل واقعاً ملموساً، عبر سياسات الإدارة الأمريكية الحادة والموجهة للصين حالياً.
إن تمدد الصين في آسيا وإفريقيا وحتى دول أمريكا الوسطى واللاتينية، وحضورها التجاري الوازن في أكثر من مكان في العالم، يجعلها في مصاف الاستهداف الخارجي الجدي، وبالتالي إمكانية استغلال أي ظاهرة داخلية للبناء عليها في عمليات التوتير، وصولاً إلى «التضعيف» إن لم يكن التغيير.
إن خلفية ما جرى في هونج كونج، هو حراك للدفاع عن مصالح يعتبرها سكان المقاطعة الموعودة باستقلال ذاتي لاحقاً، من الأسس المشكِّلة لنظام اجتماعي اقتصادي يشكل نزعة قوية لإمكانية الاستمرار فيه، في حال المسِّ بهذه المصالح والوعود، وما جرى هو تعبير رمزي عن محددات السلوك الجمعي لمجتمع تعوَّد على الرفاهية والريادة الاقتصادية والمالية، على المستويين الصيني والعالمي.
وعلى الرغم من تراجع السلطات الصينية عن تنفيذ قانون المطلوبين، فقد ظهر الحراك في هونج كونج على أنه جزء من احتجاج يمكن أن يتوسع على قاعدة التدخل في إبعاد بعض الرموز عن الانتخابات المحلية التي تثير توجّس السلطات الصينية.
الشائع أن فئة الأغنياء عادة لا تنزل إلى الشوارع إلا إذا شعرت بخطر حقيقي على مصالحها، وفي حالة هونج كونج لا زالت تعتقد في موروثها الجمعي بأن الغرب لن يتخلى عنها، فيما تشعر بكين في الواقع ببعض نشوة النصر في التمدد الدولي القائم، فهل ستكون هونج كونج خاصرة الصين الرخوة للنفاذ إلى داخلها عبر سياسات الاحتواء الأمريكية التي نفذتها قبلاً في العديد من الثورات الملونة؟
الجواب هو أن الأمر مرتبط بالعديد من العوامل والعناصر التي بدأت بالتشكل.
هونج كونج والثورات الملونة
16 أغسطس 2019 02:30 صباحًا
|
آخر تحديث:
16 أغسطس 02:30 2019
شارك
د.خليل حسين