ليست سابقة أن تواجه الولايات المتحدة خصماً محدداً وصولاً إلى مستوى حرب مباشرة لتحقيق أهداف بعضها لمصلحة أطراف آخرين، وفي المقابل تعتبر إيران الدولة التي واجهت الولايات المتحدة منذ نشأتها لأكثر من 46 عاماً، إلى أن انفجرت الحرب في 28 فبراير/ شباط 2026 بمشاركة إسرائيلية، ضمن رؤى وأهداف إقليمية وأخرى عالمية.
ورغم المفاوضات التي بدت غير مباشرة وثنائية بوساطة باكستانية اتفق عليها، فإن تمكّن إسلام آباد من التوصل إلى التفاهم يعد إنجازاً مهماً بدفع من أطرافها، لحاجاتهم المتبادلة في التوصل إلى مسار حل لاحق، فواشنطن وطهران تتفاوضان عن نفسهما وعن أطراف أخرى غير مشاركين رغم اعتبارهم أساس المشكلة كالطرف الإسرائيلي والقوى الحليفة لإيران التي شاركت مباشرة في الحرب كحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن وقوات الحشد الشعبي في العراق.
في أي حال، إن ما سُمي تفاهماً تم التوصل إليه، هو مبدئياً مذكرة تضمنت أربعة عشر بنداً تشكل مساراً تفاوضياً مدته ستون يوماً، وفيها من الإشارات كثيرة الالتباس التي تتم عادة في الصياغات الدبلوماسية التي يتم التوصل إليها، وهي عادة تتيح لجميع الأطراف تفسيرها والاعتداد بها على أنها لمصلحته أو أقله تغطي مصالحه وأهدافه من الحرب، وهي كانت نتاج مفاوضات معقدة متعددة الأطراف كادت في بعض المراحل تتوقف وينفجر الوضع بشكل واسع.
في المبدأ تم الاتفاق على وقف دائم وفوري للعمليات العسكرية على كل الجبهات، بما فيها لبنان وإسرائيل وهو مطلب إيراني، وفتح مضيق هرمز أمام جميع العمليات التجارية من دون أي رسوم، ورفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية.
في موضوع البرنامج النووي، تلتزم إيران بعدم امتلاك السلاح النووي، وتبقي الملف كما هو في هذه الفترة، لا تخصيب ولا توسيع منشآت، وسيتم خلال الستين يوماً مناقشة مصير اليورانيوم عالي التخصيب وآلية تدميره وإخراجه من الأراضي الإيرانية، وانسحاب القوات الأمريكية من محيط إيران، وفي هذه المرحلة تم استبعاد ملف البرنامج الصاروخي، وعدم ذكر تمويل الجماعات المسلحة رغم تأكيد واشنطن أهمية الموضوع، لجهة طرحه لاحقاً.
فمن حيث المبدأ، اعتمدت واشنطن أولوية وقف الحرب وفتح مضيق هرمز لخفض أسعار النفط، كما أن التخفيف من الضغط الافتصادي مرتبط بإجراءات تنفيذية لاحقة، كتسليم المواد النووية المخصبة وتفكيك المنشآت، علاوة على طلب واشنطن ضمانات تفتيش طويلة الأمد في المراحل اللاحقة. بالمحصلة قبلت واشنطن بالهدنة وفتح مضيق هرمز وتخفيف العقوبات المالية، مقابل تجميد البرنامج النووي مؤقتاً، مع وعد بمفاوضات صعبة لاحقاً. في المقابل وافقت طهران على تجزئة المطالب والوعود المستقبلية ولو كانت مشروطة.
وبخصوص لبنان، الذي كان موضوعاً رئيسياً على جدول المفاوضات، ومن بين تلك الأسس مشاركة قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل في برنامج المفاوضات ولو بشكل غير معلن وفي إطار وضع لبنان بأجواء المؤتمر وما يخص لبنان فيه. وفي هذا الإطار ثمة تأكيدات أمريكية أن الوضع اللبناني وإن تمت مناقشة أوضاعه في المفاوضات، إلا أن ما يعول عليه لاحقاً، هو المفاوضات السياسية والعسكرية التي ستتم في واشنطن مع الجانب الإسرائيلي، وهي محاولة لإظهار أن لبنان فُصل عن الملف الإيراني، وأوضاعه النهائية مرتبطة بالمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية برعاية أمريكية في واشنطن. وفي الواقع ربح لبنان شموله بوقف الحرب في المنطقة، لكن الأمر مرتبط عملياً بالاستعداد الإسرائيلي لتنفيذ وقف إطلاق النار، وهو أمر لطالما تنصلت منه إسرائيل وتجاوزته.
الاتفاق الحالي هو بمثابة إطفاء الحرائق المشتعلة عبر وقف إطلاق النار وفتح قنوات تصدير النفط وإعطاء لبنان فرصة لوقف الحرب، وهو أمر مرتبط أولاً وأخيراً بالموقف الإسرائيلي وقدرة واشنطن على ممارسة الضغوط على إسرائيل لكبح فرص تجديد الحرب، وهل ستتمكن طهران من الإفلات من الضغوط الأمريكية والإسرائيلية في الملفين النووي والصاروخي.
وفي النهاية يقف لبنان وسط خيارات صعبة منتظرة خلال الستين يوماً المقبلة.
انطلقت في التاسع والعشرين من مايو/ أيار الماضي جولة مفاوضات متتابعة استؤنفت يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية وفي البنتاغون تحديداً، وهي سابقة لجهة نوعية التفاوض ومن يقوم به، فهي مفاوضات أمنية سياسية تجرى بين اختصاصيين أمنيين وعسكريين ذات طابع سياسي، وقد سبقتها ثلاث جولات أدت إلى كسر خوف التفاوض المباشر بين الطرفين اللبناني والإسرائيلي، وأدت في حدها الأدنى إلى تمديد «كلامي» لوقف إطلاق النار لمدة 45 يوماً، حيث ما زالت الاعتداءات الإسرائيلية متواصلة إلى الآن.
إن نقل مسار التفاوض الجزئي إلى وزارة الدفاع الأمريكية يعتبر انتقال الولايات المتحدة من دور الوسيط إلى الراعي التنفيذي لما يمكن أن يتم التوصل إليه، فهو دور يتخطى الرعاية الشكلية إلى الرعاية التنفيذية بين فريقي تفاوض متسلحين بملفات ذات طابع استراتيجي تحدد طبيعة التعاطي بين لبنان وإسرائيل وفق قواعد محددة سلفاً، فواشنطن لا تكتفي بإدارة الحوار، بل تسعى إلى بناء منظومة مراقبة وضمانات ميدانية تمنع عودة التصعيد على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية. ولذلك، فإن إدخال المؤسسة العسكرية الأمريكية مباشرة في ملف المفاوضات يعني أن واشنطن تعتبر الجنوب اللبناني جزءاً من الأمن الإقليمي الأوسع المرتبط بالتوازنات في الشرق الأوسط، وخصوصاً التصعيد الأمريكي – الإيراني الأخير.
يستند الوفد اللبناني إلى نقاط رئيسية تنطلق من أولوية تثبيت وقف إطلاق النار، ووقف الاستهداف الإسرائيلي للقرى الجنوبية، وتأمين انسحاب إسرائيلي كامل من النقاط المتنازع عليها، إضافة إلى ضمان عودة المهجرين وإطلاق عملية إعادة الإعمار. واعتبار أن أي تفاهم يجب أن يحفظ السيادة اللبنانية كاملة، وأن السلاح يحل في الأطر اللبنانية الداخلية.
أما إسرائيل فتدخل المفاوضات بهدف تحقيق أمرين أساسيين: الأول تثبيت ترتيبات أمنية تمنع أي نشاط عسكري ل«حزب الله» قرب الحدود، والثاني ربط أي انسحاب أو تهدئة طويلة الأمد بمسألة السلاح في لبنان.
تضع الولايات المتحدة ثقلها في المفاوضات الحالية انطلاقاً من أوضاع إقليمية شرق أوسطية خطرة جداً، لجهة التصعيد الأمريكي الإسرائيلي مع إيران، إضافة إلى سعي واشنطن لتحقيق خرق له وزن في وقت تشهد الساحة الداخلية الأمريكية حراكاً تنافسياً قوياً في إطار الانتخابات التشريعية النصفية.
وفي الواقع لا تبدو هذه المفاوضات سهلة. فلبنان يعاني انقساماً داخلياً حاداً حول العديد من القضايا كطبيعة العلاقة مع إسرائيل، وحول حدود الدور الذي يمكن أن تلعبه الدولة في ضبط الوضع الأمني جنوباً. كما أن إسرائيل تعاني ضغوطاً سياسية وأمنية تجعل حكومتها أقل قدرة على تقديم تنازلات كبيرة. أما العامل الأكثر تعقيداً، فيبقى ارتباط الساحة اللبنانية بالصراع الإقليمي بين إيران والولايات المتحدة، إذ يصعب فصل دور «حزب الله» عن الحسابات الإيرانية الأوسع في المنطقة.
في الواقع يبدو أن الولايات المتحدة تضع ثقلاً كثيفاً لإنجاز خرق ما، وهو أمر ليس بالسهل استناداً إلى طبيعة الطروحات بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي.
وفي المحصلة، تمثل هذه المفاوضات محطة حساسة في العلاقة اللبنانية – الإسرائيلية، لأنها المرة الأولى التي ينقل الملف إلى مستوى أمني – استراتيجي تديره مباشرة المؤسسات الأمريكية المركزية. وإذا تمكنت هذه المفاوضات في تثبيت التهدئة، فقد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار النسبي على الحدود الجنوبية. أما إذا فشلت، فإن المنطقة قد تعود سريعاً إلى دائرة التصعيد العسكري، خصوصاً في ظل هشاشة التوازنات الإقليمية واستمرار الصراعات المفتوحة في الشرق الأوسط.
إن التدقيق في المسارات التفاوضية التي جرت بين العرب وإسرائيل سابقاً، وبخاصة الجانب اللبناني، تظهر حساسية الملف اللبناني وصعوبة التوصل إلى نتائج سريعة ومحققة مقارنة بباقي المسارات، لذا فإن التعامل مع الملف اللبناني له خصوصياته وطرق التعامل فيه، بحيث تتداخل الكثير من الوقائع والعوامل التي يمكن أن تؤثر سلباً في أساس الموضوع.
شكلت الجولة الثالثة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة نقطة تحول لافتة بين الطرفين، للعديد من الاعتبارات، أولاً لما يحيط بمنطقة الشرق الأوسط من تحديات عسكرية، كالحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، وما أرخته من ظلال كثيفة على الموضوعات المطروحة، وثانياً للدور الأمريكي فيها، باعتبارها وسيطاً راعياً لمفاوضات تعتبر من بين أشد الموضوعات تعقيداً، وثالثاً ربط هذه المفاوضات بالمفاوضات الأمريكية الايرانية، وبوساطة باكستانية. وفي الواقع، انطلقت هذه الجولة في واشنطن بتحول واضح لجهة التمثيل والإطار الدبلوماسي للموضوعات المطروحة من كلا الجانبين.
وما ميّز الجولة الثالثة من المفاوضات أنها لم تكن مفاوضات تقنية، كما حصل في مناسبات تفاوضية سابقة، إبّان التفاوض على ترسيم الحدود البحرية، إنما ثمة أبعاد استراتيجية متصلة بالوضع الأمني في جنوب لبنان، ومستقبل العلاقة بين الطرفين. علاوة على ملف السلاح، وسيادة سلطة الدولة جنوباً. وعلى الرغم من عدم التوصل الى اتفاق ذات طبيعة شاملة، إلا أنه تم الاتفاق على استمرار التفاوض، وهو أمر اعتبر سياقاً جيداً مقارنة بنوعية التباينات الكبيرة بين الطرفين، على الرغم من تحديد تاريخ 27 مايو/ أيار كموعد للقاء لجان أمنية وسياسية، وهو أمر علقت تل ابيب آمالاً عليه.
ومن أبرز النقاط التي تم طرحها، تثبيت وقف إطلاق النار، وعدم توسيع الاعتداءات العسكرية الإسرائيلية وزيادة حدّتها. وفي هذا المجال حاولت الولايات المتحدة التوصل الى تفاهم يمنع الاشتباكات وتوسعها في المناطق الجنوبية، وغيرها. كما سجل مطالبة إسرائيل بضمانات أمنية متصلة بإبعاد أي وجود عسكري لحزب الله على الحدود، فيما طالب الوفد اللبناني بوقف الاعتداءات والغارات، والانسحاب من المناطق المحتلة.
أما موقف الولايات المتحدة، فقد تركز على وجوب دعم الجيش اللبناني كقوة مسؤولة عن الأمن في جنوب لبنان، أما الموقف اللبناني، فقد شدّد على موضوع السيادة، ووقف إسرائيل لخروقها، البرية والجرية والجوية، والزام إسرائيل بتنفيذ القرارات الدولية، لا سيما القرار 1701/ 2006، إضافة الى ذلك، فقد شدّد لبنان على أن يكون الملف الأمني متوازناً، كما حاول الفصل بين مسار وقف الحرب وبين أيّ أمر متصل بالتطبيع السياسي، أو إقامة علاقات مباشرة كاملة مع إسرائيل، وهو أمر لا يزال يواجه رفضاً واسعاً داخل الساحة اللبنانية.
ومن بين النتائج بروز الدور الأمريكي عبر وزير الخارجية، ماركو روبيو، في الاجتماعات، ما يعكس اهتمام واشنطن بمنع انهيار الوضع الأمني على الحدود اللبنانية الإسرائيلية. وفي ما يتصل بإسرائيل، فقد أظهرت الجولة أن تل أبيب لا تزال تتمسك بخيار الضغط العسكري، فقد صعّدت إسرائيل من عملياتها العسكرية، وبشكل واسع، قبل انطلاق جولة المفاوضات الثالثة في محاولة لانتزاع قضايا أمنية وعسكرية، جنوب نهر الليطاني مبدئياً.
وأيّاً يكن الأمر، وعلى الرغم من عدم صدور بيان ختامي للجولة، الا أن مؤشرات الجولة الثالثة توحي أنها اتخذت مساراً مغايراً يرتبط بمستقبل الوضع الأمني والسياسي في لبنان، ومستقبل العلاقة بين لبنان وإسرائيل مستقبلاً.
وفي الواقع، فقد ظهر جلياً ارتباط الوضع الأمني والسياسي في لبنان بالحرب الأمريكية الإيرانية، ومحاولة ربط الأعمال العسكرية بما يجري في واشنطن وإسلام اباد، وفي المحصلة، لم تتمكن الجولة الثالثة من المفاوضات من احداث اختراق واضح، إنما أبقت الخطوط مفتوحة مستقبلاً لعدم الانجرار إلى مواجهات كبيرة، في وقت سيشهد لبنان ضغوطاً، أمنية وعسكرية، بهدف انتزاع مواقف هدفها محاولة الوصول الى معاهدة سلام، وتطبيع كامل، وهو أمر له مخاطر كبيرة من الصعب على لبنان مواجهتها. فقياساً على سابقة 17 مايو/ أيار 1983، وما جرى بعد إسقاط الاتفاق اللبناني الإسرائيلي آنذاك، فقد أدت تداعياته الى جرّ لبنان الى فلتان أمني عنيف كلّف الكثير، وصولاً إلى إعادة الوضع اللبناني إلى الاستقرار النسبي بعد اتفاق الطائف.
لم تكن جولة المفاوضات الثانية اللبنانية الإسرائيلية المباشرة، جلسة عادية، إنما ما ميزها هو حضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصياً، وهي جولة مفاوضات غير معتادة لا شكلاً ولا مضموناً، إذ إن حضور رئيس دولة تلعب دور الوسيط، يعتبر أيضاً سابقة وتدل على اهتمام شديد بها، وكأنها أيضاً تؤسس لمرحلة أخرى ذات مسار مختلف، الهدف منه الانتقال إلى مستوى أرفع في التمثيل، وتحقيق خرق نوعي على مستوى الحضور، تمهيداً للانطلاق بطروحات نوعية تنفيذية يُبنى عليها بصرف النظر عن القبول أو الرفض من الطرفين المعنيين أساساً اللبناني والإسرائيلي.
وفي واقع الأمر، تعتبر الجولة الثانية من المفاوضات، حدثاً غير عادي، إن لجهة الحضور أو الموضوعات المطروحة، وحتى لإبراز الانطلاق بشكل واضح فصل الوضع اللبناني عن الوضع الإقليمي وتحديداً عن المفاوضات الأمريكية الإيرانية، وصولاً إلى تفاهمات متصلة لاحقاً بترتيب معاهدات سلام إقليمية قاعدتها شرق أوسطية ممتدة إلى جغرافيا سياسية على تماس مع جغرافية المنطقة.
إن أبرز النقاط التي طرحت في المفاوضات، كانت متباينة، فمثلاً لبنان اهتم أولاً بتمديد وقف إطلاق النار لمدة ثلاثة أسابيع، وهو أمر حصل عليه كهدية لإبراز محاسن حضور الجولة الثانية، لكنه واقعاً يعتبر تمديداً لهدنة هشة قابلة للانفجار مع أي حدث يقرر طرف ما أنه يستحق الخروج منه، والأمور الأخرى كمبدأ الانسحاب الكامل من الأراضي التي تحتلها إسرائيل والإفراج عن الأسرى اللبنانيين، وإعادة الإعمار، في مقابل الطلبات الإسرائيلية لجهة نزع سلاح «حزب الله»، وحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية، والأمر الأهم هو اعتراف لبنان بإسرائيل وصولاً إلى معاهدة سلام تنظم العلاقات المستقبلية.
طبعاً، إن هذه المطالب ليست مطالب عادية بالمفهوم الدبلوماسي وإنما تشكل في قراءة الطرفين اللبناني والإسرائيلي قراءات ذات سقوف عالية وتتطلب المزيد من الوقت للوصول إلى تفاهمات مقبولة يمكن البناء عليها، سيما وأن تجارب المفاوضات السابقة وأبرزها في عام 1983 التي أنتجت اتفاق 17 مايو/ أيار الذي أُلغي بعد أقل من سنة، ومفاوضات مؤتمر مدريد 1991 وتفاهمات 1993 و1996 و2006 التي أنجزت القرار 1701، ومن بعدها مفاوضات الحدود البحرية التي أنجزت بوساطة أمريكية بتاريخ 27 أكتوبر/ تشرين الأول 2022، ومن بعدها مفاوضات لجنة الميكانيزيم 2024، إضافة إلى مفاوضات الهدنة مارس/ آذار 1949.
إن تصريح الرئيس الأمريكي خلال الجولة الثانية في البيت الأبيض المتعلق بالقانون اللبناني 1952 المتصل بمعاقبة الاتصال بإسرائيل ومطالبته بإلغائه، يشكل نقطة تحول، سيما وهو أمر يتطلب إلغاءه بقانون عبر مجلس النواب اللبناني، الذي سيزيد الشرخ بين مختلف الفئات اللبنانية، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى إشعال حرب أهلية كما يتردد حالياً.
وأمر آخر لا يقل حساسية وأهمية، هو التصريح بمحاولة إنجاز لقاء يجمع الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض لاحقاً، وهو أمر طرح في معرض التحضير للجولة الأولى ولو عبر لقاء هاتفي يجمعهما بحضور وزير الخارجية الأمريكي ماركيو روبيو، وهو اللقاء الذي لم يتم بسبب رفض الرئيس اللبناني.
في المحصلة، يعج جدول المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، بموضوعات حساسة جداً تتطلب دراية كبيرة بالواقع اللبناني وواقع المنطقة التي تقف على حافة هاوية تغلي بقضايا عمرها من عمر هذه الكيانات، وهي تقف حالياً على مشاريع خطرة ذات صلة بجغرافية سياسية ممتدة إلى معظم الكيانات السياسية القائمة حالياً، ويتطلب التعاطي معها أيضاً بدقة فائقة، إذ بينها وبين التفتيت خطوات قليلة.
وبالتالي إن أي موقف غير دقيق ومتزن يمكن أن يأخذ الأمور إلى مسارات لا تحسن عقباها، في وقت لا أحد من الأطراف الأساسية المعنية أو الأطراف المتدخلة لها القدرة على التحكم الدقيق بمسارات المفاوضات ونتائجها، وهنا ربما الطرف الأضعف في ذلك، هو الطرف اللبناني الذي يحتاج للكثير لإعادة تكوينه والحفاظ على وجوده في مفاوضات ليست سهلة وتكتنز في طياتها الكثير من التعثر.
ليست هي المرة الأولى التي يوضع لبنان في موقع إقليمي لا قدرة له على التأثير في قضاياه، ومن بينها وقف اطلاق النار الذي أعلن بين أمريكا وإيران وإسرائيل، بعد مواجهات ضروس كان لبنان طرفاً رئيسياً ومباشراً فيها، وعلى الرغم من ذلك لم يكن له كلمة فيها، سوى انتظار الوعود من الأطراف الفاعلة في الحرب، وتحديداً أمريكا، في حين إن إسرائيل كانت واضحة في مواقفها من موضوع لبنان لجهة عدم ربط موقعه بأيّ اتفاق يمكن التوصل اليه، ولذلك استمرت في عملياتها العسكرية وبشكل واسع، إلى أن أعلن الرئيس الأمريكي وقفاً لإطلاق النار يوم 17 نيسان/ إبريل الجاري.
وفي واقع الأمر، لبنان الذي يعتبر الحلقة الأضعف حالياً بعد وقف إطلاق النار، سيتابع موقعه وفقاً للرؤى الأخرى، وبخاصة الإسرائيلية، وسوابق ذلك وضع لبنان في اتفاق وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، حيث استمر بتلقي الضربات من دون الرد عليها، على الرغم من الخسائر البشرية الكثيرة التي تكبّدها، وما يعزز تلك الصورة أن تعاد ظروفها ووقائعها حالياً، بخاصة أن إسرائيل تابعت عملياتها في لبنان من دون اعتبار لإعلان وقف إطلاق النار.
وإذ يدخل لبنان في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، لكنه سيظل موقعاً للتجاذب بين القوى الفاعلة، وهي إسرائيل وايران، باعتباره ساحة لممارسة الضغوط الأمنية والعسكرية، ومحاولة صرفها لاحقاً، وهنا تبدو الظروف أكثر صعوبة.
إن موقف إيران من وحدة الجبهات، ومنها لبنان، هو إعلان واضح من قبل طهران، لكنها هل هي قادرة على فرضه وإلزام إسرائيل وإجبار الولايات المتحدة على ذلك؟ إن التدقيق في المجريات العسكرية وما آلت اليه، لا يعطي صورة واضحة عن طبيعة الضغوط التي يمكن أن تستعمل لضم لبنان الى اتفاق مع إسرائيل من خلال المفاوضات، وهل سيظل ورقة مساومة في واقع إقليمي ضاغط لن يكون بمقدوره التكيف معه، ومحاولة الاستفادة منه؟ بخاصة أن الحرب الأخيرة أفرزت واقعاً قاسياً لجهة تداعيات إدخال دول الخليج في الحرب عنوة، وبالتالي لم يعد للبنان أيّ طرف قادر على مساعدته، والوقوف الى جانبه في حال استمر في المواجهة مع إسرائيل.
اليوم تبدو الأمور أكثر تعقيداً، لم يعد البرنامج النووي الإيراني وحده على طاولة المفاوضات، بل سيكون البرنامج الصاروخي موضوعاً رئيسياً، وهو أمر رفضت طهران سابقاً بحثه، أو فتح المجال للتفاوض فيه، علاوة على رفع العقوبات المفروضة على طهران، والبحث في مجموعة حلفائها في المنطقة، كلبنان والعراق واليمن، وبالتالي، ثمة قضايا ثقيلة سيكون التنازل فيها أمراً صعباً، ما ينعكس على ظروف المفاوضين، وما يملكون من أوراق تسهم في تقوية المواقف التفاوضية، أو إضعافها.
ربما قدر لبنان في الواقع الجيوسياسي الموجود فيه، أن يكون دائماً في الموقع الأصعب، حيث يواجه مطالب لا قدرة له على اتخاذ قرارات فيها، وهو أمر يعزز الانقسام الداخلي الذي يعانيه، ويصعّب موقعه ووضعه الخارجي، بخاصة أن الظروف المستجدة هي أكثر قساوة وحدّة، على مستقبله ووجوده، لاسيما وأن مخاطر تفكّكه باتت أمراً واضحاً، إذا لم يحاول أبناؤه الحفاظ على أدنى مكوناته الوجودية.
خلاصة القول، أن وقف إطلاق النار الإقليمي الذي أعلن عنه، وبدء مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، وسط شد وجذب كبيرين، يبدو أكثر حراجة للبنان، فهو من جهة غير قادر على فرض نفسه فيها، وإن تمكن من ذلك لا يمتلك القدرة والقوة على فرض ما يريد فيها، كما أن الأطراف فيها لا مصلحة لهم في مواجهات قوية خلال التفاوض من أجله، فهو لا يملك أوراقاً قوية، بل مطلوب منه التزامات كثيرة، من بينها موضوع السلاح، وقرار الحرب والسلم، عدا عن قضايا كثيرة ذات الصلة بالسيادة.
د. خليل حسين
أطلق الرئيس اللبناني العماد جوزيف عون، مقترحاً لإطلاق مفاوضات لبنانية إسرائيلية، كمخرج للوضع القائم حالياً، ذلك وسط حرب إسرائيلية تمددت إقليمياً وبات لبنان جزءاً منها.
وغريب المفارقات، الموقف الإسرائيلي الرافض للمقترح، بينما يبدو الموقف الفرنسي داعماً وبقوة له، فيما يظهر الرفض الأمريكي الداعم عملياً لإسرائيل ومواقفها. وفي أي حال من الأحوال يعتبر المقترح نوعاً من كسر حلقة الأزمة القائمة
وفي واقع الأمر وعند التدقيق في المقترح، يظهر انقسام اللبنانيين حوله، وهو أمر معتاد عليه في الحياة السياسية اللبنانية منذ عقود طويلة، إلا أن هذه المرة يكتسي أسباباً أكثر قساوة، على قاعدة نتائج الحرب القائمة منذ انطلاقها، وفي واقع الأمر يعتبر هذا المقترح هو الأول من نوعه الذي يطلقه لبنان، وهو معاكس بشكل عام لمسارات الدعوات للتفاوض اللبناني الإسرائيلي، إذ ظل لبنان في إطار الرفض للتفاوض المباشر، وربط وضعه سابقاً بالوضع العربي بشكل عام.
ومن الطبيعي أن يكون الوضع القائم حالياً، وضعاً يساير الموقف الإسرائيلي، الذي تمكّن سابقاً من إحراز مكاسب ميدانية كثيرة، بمعنى آخر، لقد تعززت أوضاع إسرائيل، وباتت قادرة على فرض شروطها في أي تسوية ممكنة في المستقبل، بخاصة رفض تل أبيب لمجمل المقترح جملة وتفصيلاً، في وقت يبدو مقترح لبنان هو الدعوة لمفاوضات من دون شروط أو مقترحات منفّرة، فيما بعض الأطراف اللبنانية وضعت شروطاً مسبقة لقبول التفاوض، من بينها وقف إطلاق النار أولاً، وعودة اللبنانيين إلى قراهم، وإطلاق سراح الأسرى، وهي من حيث المبدأ، مطالب موضوعية، لكنها لا تستند إلى أي معطيات أو قدرة لفرضها على الجانب الإسرائيلي.
في الواقع، يعتبر المقترح اللبناني سابقة في الحياة السياسية اللبنانية، فلم يسبق أن أطلق لبنان مقترحاً محدداً، بل كل ما كان يعمل عليه كان جزءاً من مشاريع إقليمية ودولية غالباً ما كانت تتلاشى وتنتهي من دون أثر. وفي الواقع لا تعتبر المفاوضات أمراً مستجداً، بل له سوابق توصلت في بعضها لنتائج عملية تم التعامل فيها لفترات ليست بقليلة، كانت بدايتها بعد الحرب العربية الإسرائيلية في عام 1948 التي أنتجت اتفاقية الهدنة بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي في مارس/آذار 1949، إضافة إلى مفاوضات عام 1983 التي أجريت بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في يونيو/حزيران عام 1982، والتي أنتجت اتفاقية 17 مايو/أيار التي ألغيت في عام 1984 من الجانب اللبناني.
محطة أخرى من التفاوض بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي التي أدت في عام 2022 إلى اتفاق حول ترسيم الحدود البحرية على قاعدة تقاسم الموارد الغازية والنفطية في المياه الإقليمية والاقتصادية لكلا الطرفين، وقد حددتها ورعتها الولايات المتحدة، إلا أن حرب غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وانهيار النظام السوري في ديسمبر/كانون الأول 2024، والحرب على لبنان، أعاد خلط الأوراق من جديد بين لبنان وإسرائيل، ما أدى إلى انطلاق مفاوضات لبنانية إسرائيلية مباشرة عبر لجنة «الميكانيزم» التي ضمّت الولايات المتحدة وفرنسا والأمم المتحدة عبر اليونيفل، وهي مفاوضات انطلقت في إطار تقني، ما لبثت أن تحولت إلى مفاوضات سياسية بعد ضغوط إسرائيلية، حيث أدخل في عدادها مفاوضون مدنيون - دبلوماسيون من الطرفين اللبناني والإسرائيلي.
ثمة تحديات كثيرة تواجه لبنان، حيث يخضع لضغوط متعددة الأوجه في وقت لا يملك أوراقاً ذات شأن قابلة للبناء عليها. سيما أن الواقع اللبناني الحالي صعب جداً، فهو يرزح تحت ضغوط العمليات العسكرية الإسرائيلية، والضغوط الدبلوماسية الإقليمية والدولية للمضي في مسار تفاوضي محدد الأهداف.
إن أسس أي تفاوض مؤثر بين الأطراف يخضع لميزان القوى العسكرية والسياسية والاقتصادية وغيره من المقاييس، الأمر الذي يفتقده لبنان حالياً وهو غير قادر فعلياً على التأثير في مجرياته عملياً، وبالتالي مضطر للسير وسط مصاعب تتطلب حذاقة تفاوضية وتواصلاً فاعلاً مع القوى الدولية التي يمكنها مساعدته، وهو أمر مفقود حالياً بفعل شبكة التحالفات التي تقيمها إسرائيل وتفرضها مع معظم الدول الفاعلة إقليمياً ودولياً.