من لا يتعلم من أخطائه، يُعاقَب بتكرارها (...)

(***)

حوالي العام 1800 أطلق نابليون بونابرت نصيحة استراتيجية تقول: إياك أن تقاطع عدوك وهو يرتكب خطأ.. إنها نصيحة تُوزن بميزان الذهب.

الأمثلة تتحدث:

فلسطين

العدو الإسرائيلي أخذ بهذه النصيحة جيداً عندما اقتتل الفلسطينيون وقسموا فلسطينهم الموعودة 22 في المائة من مساحة فلسطين إلى ضفة غربية تحكمها فتح، وغزة وتحكمها حماس. لقد تركنا العدو نرتكب خطأنا وهو يتفرج من بعيد، فقد نجح الفلسطينيون في ما عجزت عنه إسرائيل، والآن هم ينفخون في النار لكي نرتكب المزيد من الأخطاء والخطايا.

سوريا

عندما وقع القتال الدامي بين النظام السوري وحركة الإخوان المسلمين، سارعت أمريكا لانتقاد سوريا بسبب قسوة القمع الذي مارسه النظام ضد خصومه، ولكن إسرائيل نصحت امريكا أن تتوقف عن نقدها لكي يكمل أحد الاطراف، أو كلاهما ارتكاب خطئه حتى النهاية، فقد تموت الأفاعي بُسم العقارب، وقد كان.

مصر

بعد هزيمة عام ،1967 وضع الرئيس عبدالناصر خطة لتحرير الاراضي المحتلة رافعاً شعار: ما أخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة ولم يعش القائد لإنجاز خطته، فتولى خليفته أنور السادات تنفيذ الخطة عام 1973 ناقصة، إذ إنه ارتكب خطأ إيقاف الحرب من دون الوصول الى هدفها، ولقد كان نجاح الضربة الأولى مرعباً لإسرائيل خوفاً من هزيمة كاملة تقضي على النظام بأسره، فكان أن رفع العدو جهوزيته بأن استنفر قواه النووية، إلا أن الثعلب كيسنجر حذره من التحرك لأن القائد المصري في طريقه لارتكاب خطئه الثاني، حيث خدعه كيسنجر بأنه انتصر فلا داعي لإكمال الحرب، وقد وقع السادات في الفخ فقال إن هذه هي آخر الحروب.

لقد وضع عبدالناصر خطة تحرير ثم تحولت إلى خطة تحريك، وبذلك خسرت مصر دورها القيادي للأمة العربية.

إسبانيا

بعد تواجد 800 عام في الأندلس ارتكب الحكام وملوك الطوائف العرب الخطيئة الكبرى في التفرق والاقتتال العربي العربي، ولقد تربص الملك الإسباني لتلك الظاهرة الذهبية فكان يعقد التحالف الإسباني العربي لإحدى الممالك ضد مملكة أخرى فيهزمها ويضعف بذلك حليفه العربي، ثم يكرر ذلك مع بقية الولايات حتى أضعف الجميع، وفي عام 1492 سقطت غرناطة آخر معقل للعرب وتمت هزيمتهم النكراء في ذلك العام.

فرنسا

عام ،1812 ارتكب القائد العبقري نابليون غلطة عمره بمهاجمة روسيا للقضاء عليها، فوقع في المأزق الذي يجابه جميع الجيوش الغازية: اذا تجمع الجيش ليحافظ على قوته فإنه يخسر السيطرة على الارض، وإذا تمدد للسيطرة على الارض، فقد قوته. وقد استغل الجنرال الروسي كوتوزوف هذا المأزق فبدأ بالانسحاب الى الداخل موحياً لنابليون بأن الطريق مفتوح أمامه حتى العاصمة موسكو. وفي انسحابه اتبع سياسة الارض المحروقة، فكان يحرق الغلال والمأكولات والمزارع ليمنع عن نابليون إطعام جيشه، كما انه كان يحرق البيوت والاماكن العامة ليمنع عن الغزاة المأوى الآمن، وبعد ان تمددت خطوط امدادات نابليون آلاف الكيلومترات وتشتت قوته ووصل الى مشارف موسكو، بدأ الجنرال كوتوزوف هجومه المضاد، ومع الجنرال العبقري الآخر (جنرال ثلج) تمت إبادة الجيش الغازي، وعاد نابليون مهزوماً إذ هاجم روسيا ب 400 الف جندي وتركها ومعه 35000 جندي فقط..

المؤسف أن الاستراتيجي نابليون لم يستمع جيداً الى نصيحته هو.

ألمانيا

بعد 130 عاما على هزيمة نابليون، ارتكب هتلر الغلطة نفسها فهاجم الاتحاد السوفييتي لكي يحتل أرضه ويدمر نظامه، ووصلت جيوش هتلر إلى مشارف موسكو، وهناك تم التصدي البطولي من قبل الشعب الروسي وتولى الجنرالات القديران: جوكوف وجنرال ثلج بقية القصة، فتم استسلام مليون جندي الماني مع قائدهم ومات منهم مئات الألوف.

يقول ماركس: يعيد التاريخ نفسه مرتين، في المرة الأولى على شكل مأساة وفي المرة الثانية على شكل مهزلة.

جميع الامثلة السابقة تشير إلى أن الذين ارتكبوا اخطاء فادحة هم قادة وسياسيون لامعون، وكان خصومهم أيضاً لامعين حيث لم يقاطعوهم وهم يرتكبون تلك الاخطاء، المهزلة هي في أولئك الذين لم يتعلموا من اخطائهم واخطاء الآخرين فعوقبوا بتكرارها.

سئل تشرتشل: ما مواصفات السياسي اللامع؟ فأجاب: هو ذلك الذي يتنبأ بما سيحصل غداً، وما سيحصل بعد شهر، وما سيحصل بعد سنة، ثم يشرح فيما بعد لماذا فشلت جميع تنبؤاته السابقة.

حالياً السياسي الناجح هو ذلك القرد الذي لا يسمع ولا يرى ولا يتكلم.. بئس الزمن العربي الرديء.