في الأنباء أن وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الأخير في القاهرة، توافقوا على إرسال ورقة باسم العرب الى الرئيس الأمريكي المنتخب أوباما، تلخص الموقف العربي بشأن عملية السلام.

لعل المقصود هو إرسال مذكرة لا تقع بالضرورة في ورقة واحدة، وقد جاء استخدام تعبير ورقة على طريقة التداول في المؤتمرات وحلقات البحث. علماً أن مؤتمرات وزراء الخارجية لا تعتمد في الغالب هذا الأسلوب، فالخطابات الشفوية ومعها الكولسات هي السائدة.

بعيداً عن التسميات، فالقرار الوزاري جاء ليكشف هزال طريقة ومضمون التعامل مع الإدارة الجديدة في واشنطن حتى الآن. ذلك أن إرسال ورقة هو أمر تسعى الجمعيات الصغيرة لفعله، إذ يتناسب مع إمكانياتها المحدودة ومع وظائفها. أما المجموعة العربية بدولها وثرواتها ومجتمعاتها، فإن في مكنتها فعل ما هو أكثر وأكبر، ثم ما هو أهم من إرسال ورقة. ولا يعزا هنا القول إن الورقة العتيدة خطوة في سلسلة خطوات فطريقة التفكير والمقاربة يكشف عنها اللجوء الى هذا الأسلوب أولاً وحصراً.

كان منطق الأمور وما زال يقضي، ببناء استراتيجية عربية للتعامل مع الإدارة الجديدة، مع الأخذ في الاعتبار مسلسل الإخفاقات السابق للدبلوماسية العربية وهو إخفاق سياسي لا مهني، والانحياز الأمريكي الهستيري لدولة الاحتلال، وعسكرة السياسة الخارجية لواشنطن، ما أشعل حرباً لم تنطفئ نيرانها بعد في بلاد الرافدين، مع الاستهانة بموجبات الصداقة التاريخية بين العالم العربي والدولة العظمى.

يتم الالتفاف على هذه الوقائع التي يقر بها الساسة العرب خارج مواقعهم الرسمية، ويجهر بعضهم بما هو أقسى منها من استخلاصات، ويجري التبشير بدلاً من ذلك بالعودة الى دبلوماسية تقليدية تقوم على المناشدات أولاً وثانياً وعاشراً، والتغني بعملية سلمية لا وجود لها، وإبداء ما لا حدود وما لا قرار له من حسن النوايا.

في مؤتمرات قمة سابقة جرى التواضع على إرسال وفود الى عواصم القرار، والمقصود في المقام الأول الى واشنطن. جرى حينها للمرة المائة على الأقل، عرض محددات الموقف العربي على البيت الأبيض ووزارة الخارجية، غير أن الحصاد لم يرض أحداً بما في ذلك الزارعون. مع ذلك لم تتم مراجعة الأساليب المعتمدة، ولا تم اعتراف بهزال المحاولة. فكان أن نعمنا في العالم العربي بأسوأ إدارة أمريكية، وهو ما كانت توصف به للحق إدارات أسبق أيضاً.

لا يقلل عاقل من أهمية الجهد السياسي ووجوب النهوض به، وخاصة نحو الدولة العظمى. غير أن اختزال هذا الجهد الى مجرد تحرك دبلوماسي وأداء إعلامي، يبطل الغاية المتوخاة. فالأصل هو بناء سياسة رشيدة: حازمة ومتسقة، لاستعادة الحقوق وكفالة سلامة الكيان العربي وضمان منافع متبادلة، والاحتكام الى الشرعية وأحكام القانون الدولي، وفرض الاحترام على الطرف الآخر تحت طائلة تضرر مصالحه، وتنبثق عن هذه السياسة خطة للتحرك الدبلوماسي النشط، تنضبط بمحددات هذه السياسة وتسعى لتحقيق أهدافها.

وبينما يتيح وصول أوباما الى البيت الأبيض بخطابه الجديد نسبياً، وبالإرث التحرري الذي يصدر عنه، فرصة لتجديد الخطاب العربي الرسمي وشحنه بعناصر وديناميات جديدة تقوم على المكاشفة، فإن البادي حتى تاريخه هو الوفاء لأساليب قديمة يتم فيها الحذر الشديد من تسمية الأشياء بأسمائها، وإعفاء واشنطن من مسؤولياتها في وصول الأمور الى الدرك الذي وصلت اليه، وبصرف النظر عما يعتمل في النفوس من نقمة ومرارة.. فالمهم هو أن يدرك الطرف الآخر مغبة الاستهانة بالكتلة العربية.

قبل أيام نشر على نطاق واسع تقرير للمؤسسة الأمنية الاسرائيلية، يوصي الحكومة في تل ابيب بمنع إجراء انتخابات فلسطينية ولو أدى الأمر الى مواجهة مع الولايات المتحدة. بهذه اللغة يتحدث الحليف والشريك في تل أبيب عن ولي نعمته في واشنطن. أما المتضررون من الدولة العظمى في عالمنا العربي، فإنهم يتطيرون من استخدام عبارة كهذه.. ويعتبرونها من المحرمات ومن بضاعة متطرفين. البضاعة الوحيدة التي يتم تسويقها هي المناشدات، حتى لو وقعت على الدوام على أذن من طين وأذن من عجين.

بالتلويح بمواجهة يكتسب الآخرون احتراماً وينتزعون مكاسب غير مشروعة، ويفرضون مهابة الجانب على من يجزل العطاء. بينما يتردد الطرف العربي في توجيه كلمة نقد واحدة وإطلاق أية دعوة للتصحيح الى الطرف الذي امتهن الاستخفاف بحقوق العرب، وبادل الصداقة التاريخية والاستراتيجية بحفنة مساعدات مالية، مقابل تعظيم القوة العسكرية لدولة الاحتلال وضمان تفوقها في كل مجال، وإعفائها من أية مسؤولية نتيجة سياساتها العدوانية والعنصرية، بما يشجعها وقد شجعها بالفعل على الدوام لممارسة المزيد من سياساتها المارقة.

مع ذلك ها هم العرب يحزمون أمرهم ويشدون عزيمتهم، لإرسال ورقة الى الرئيس المنتخب، سوف تجد لها لا ريب مكاناً محترماً وموضعاً لائقاً في الأرشيف المحفوظ. وقد يتم الرد على الورقة بورقة أحسن منها. أما أوراق العرب السياسية والاقتصادية والاستراتيجية فلا يتم استخدامها أبدا لتصويب المسار، ومن فرط عدم الاستخدام فلا غرابة أن تتقادم ويعلوها الصدأ.