القاهرة: «الخليج»
من بين عشرات المعابد الأثرية، التي تزخر بها مدينة الأقصر جنوبي مصر، يقف «معبد أبيدوس العظيم» في فخر يتحدى نظراءه من المعابد الفرعونية الأخرى؛ ليس بسبب معماره الفريد وحسب، وإنما بما تضمه جدرانه من نقوش تروي فصولاً من عقيدة المصريين القديمة، وإيمانهم بالبعث والحساب في الحياة الأخرى، ربما قبل ظهور الأديان السماوية في مصر القديمة بقرون من الزمن.
يرجع تشييد هذا المعبد المنيف إلى عصر الملك سيتي الأول، وهو عبارة عن قبر عظيم شرع سيتي الأول في بنائه بمنطقة أبيدوس في صعيد مصر؛ لكنه لم يتمكن من إنهاء بنائه؛ إذ مات والعمل لا يزال جارياً به، فأكمله من بعده ابنه رمسيس الثاني، وأضاف إليه معبداً آخر، وهو ما يعرف حالياً باسم «معبد الأوزيريون»، ويقع على بعد أمتار عدة منه، وخصصه لرعاية أوزيريس (آلهة البعث والحساب في مصر القديمة)، ويحتل «معبد أبيدوس العظيم» قمة منحدر في المنطقة الغربية من الأقصر، وهو ما استلزم عند بنائه إنشاء عدد من المصاطب التي تشبه الدرج حتى يتمكن البناؤون من رفع الأحجار اللازمة للبناء، الذي جاء بدوره مغايراً للطريقة السائدة في معابد الأقصر؛ إذ يتخذ المعبد شكل الزاوية الحادة فيما مبناه الرئيسي يتخذ شكل المحور الممتد من الشمال للجنوب، وقد خصص لسبعة من آلهة المصريين القدماء، وهم: أوزيريس، وإيزيس، وحورس، وآمون، ورع حوروبتاح، الأمر الذي يدل على المكانة الكبرى للمعبد في نفوس المصريين، وهو ما يتجلى في مجموعة الحجرات، التي يتضمنها المعبد، التي كانت مكرّسة لعبادة هذه الآلهة.
وتشير مراجع أثرية عدة إلى أن المعبد كان يتوسط حديقة كبيرة مزروعة بمختلف أنواع النباتات المزهرة والأشجار العالية، وكانت تلك الحديقة الغناء تفضي إلى الفناء الأول للمعبد ومدخله الحالي بأعمدته المربعة وحيطانه التي تروي عبر عدد من نقوشها بعض بطولات «رمسيس الثاني» الحربية، وانتصاراته في آسيا، وهي النقوش التي تمتد حتى قاعة الأعمدة، التي كان قد شيدها سيتي الأول، وتمت زخرفتها في عهد ابنه، ويصل طول القاعة إلى ما يزيد على خمسين متراً، ويرتكز سقفها على أربعة وعشرين عموداً على شكل حزم البردي، وتيجانها على هيئة زهرة لم تتفتح بعد.
تنقسم أعمدة القاعة الرئيسية للمعبد إلى صفين كل صف فيه 12 عموداً، وينقسم بدوره إلى ست مجموعات، وفي كل مجموعة يوجد عمودان متقاربان يفصل بينهما ممر، وتتصل الممرات في النهاية بنظيراتها في قاعة الأعمدة الثانية، وتضم جميعها نقوشاً مبهرة بالهيروغليفية، وبخاصة الأعمدة الموجودة في القاعة التالية التي تنتهي بسبعة محاريب مقدسة كانت توضع فيها تماثيل الآلهة؛ حيث خصص المحراب الأول من ناحية اليمين للآلهة حورس، ثم محراب إيزيس، ومحراب أوزيريس ثم باقي الآلهة، ويشتهر معبد أبيدوس بين الآثاريين المصريين بالقائمة التي تضم أسماء ملوك مصر، التي خلدها بانيه باعتبارهم الملوك الشرعيين للبلاد، وهي المعروفة باسم «قائمة أبيدوس»، وتبدأ باسم الملك مينا موحد القطرين في مصر القديمة، وتنتهي عند الملك سيتي، ومن اللافت أن القائمة تجاهلت بشكل واضح اسم الملكة حتشبسوت وأسماء من عرفوا في الأدبيات التاريخية باسم «ملوك الإصلاح الديني» في مصر القديمة، مثل: إخناتون، وتوت عنخ آمون، واللافت أنه رغم مرور قرون سحيقة من الزمان على بناء هذا المعبد المنيف، لا تزال بحيرته المقدسة تنضح بالمياه حتى اليوم، وهي جزء رئيسي من النصب التذكاري للملك سيتي الأول الموجود خلف المعبد، وهو عبارة عن قاعة عظيمة أقيمت على جزيرة تحيط بها مياه قناة، وقد شيدت الجزيرة التي تتوسط القاعة من الحجر الرملي، وأقيمت عليها أعمدة من الجرانيت بلون قرنفلي بديع يرتكز عليها سقف القاعة، وبين هذه الأعمدة تم وضع تابوت الملك والصندوق الذي يضم أحشاءه.