ومن هذه الآيات قول الله تبارك وتعالى في سورة البقرة: «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ»، (03). والسؤال الذي يطرح نفسه: سيخلف مَنْ هذا الخليفة؟ وكيف يكون الاستخلاف في الأرض؟
يقول المغامسي، في «سلسلة محاسن التأويل»: «هذه الآية يمكن تناولها من عدة وجوه: هذا الأمر كان قبل أن يخلق الله جل وعلا آدم، أخبر الملائكة أنه سيجعل في الأرض خليفة، قال بعض العلماء: إن آدم خليفة بمعنى: خليفة الله في الأرض في إعمارها، وهذا لا يستقيم شرعاً، لأن الخليفة عن الشيء يكون من جنسه، وآدم مخلوق والله خالق، وننتقل إلى مسألة أخرى: هل خليفة هنا بمعنى خليفة عمن سبق، فيكون المعنى آدم خليفة عن غيره، أم أن خليفة اسم جنس أُفرد أُريد به الجمع، فيصبح الكلام ليس عن آدم، بل عن ذريته التي من بعده؟ وقيل: إنه خليفة عمن كان يعمر الأرض، فقد ذكر المؤرخون أن الجن كانت تعمر الأرض، وهذا يستقيم نوعاً ما باعتبار أن الجن وآدم كلاهما مخلوق، وهذا القول عندي بعيد، وإن كان قال به كثير من العلماء.. والظاهر أن خليفة هنا اسم جنس مفرد يُراد به الجمع كقوله تعالى: «خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ» (يونس: 14)، ويُقال: خلفاء الأرض، يعني: سأجعل من آدم ذرية يخلف بعضهم بعضاً، هذا معنى كلام الله لملائكته، والدليل قول الله في خاتمة سورة القمر: «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ» (القمر: 45)، فأفرد نهر وقصد أنهاراً؛ لأن جنات جمع وأنهار جمع لكنه أفردها؛ لأنها اسم جنس، والدليل على أنه أراد أنهاراً أنه قال في آيات أُخر: «تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ» (الأعراف: 43)، وهذا القول اختاره ابن كثير، رحمه الله تعالى، وهو أن خليفة هنا: اسم جنس أُريد به الجمع، والمقصود به ذرية آدم».
تعليم وتثبيت
ويقول الشعراوي، يرحمه الله، في تفسيره حول هذه الآية: «الحق سبحانه وتعالى يريد أن يعرفنا كيف بدأ الخلق. وقصة عداوة إبليس لآدم وذريته.. فتكلم الله سبحانه وتعالى عن أول البشر. عرفنا اسمه. وهو آدم عليه السلام. وتكلم عن المادة التي خُلق منها. وتكلم عن المنهج الذي وضعه لآدم. وحدثنا عن النقاش الذي دار مع الملائكة. كما أخبرنا بأن آدم سيكون خليفة في الأرض. وأنه علمه الأسماء كلها ليقود حركة حياته. وعلمنا منطق علم الأشياء. وعلم مسمياتها. وحدثنا عن الحوار مع إبليس حينما أبى السجود». وبيّن لنا حجة إبليس في الامتناع عن السجود، وخطة إبليس ومدخله إلى قلوب المؤمنين بالإغواء والوسوسة، وغير ذلك. إذن فهناك أشياء كثيرة تتعرض لها قصة آدم، ولو أن بشراً يريد أن يؤرخ لآدم ما استطاع أن يأتي بكل هذه اللقطات. ولكن الحق سبحانه وتعالى جعل كل لقطة تأتي للتثبيت. فالله سبحانه وتعالى أخبر ملائكته بأنه جاعل في الأرض خليفة. هنا لابد لنا من وقفة.
ذرية آدم
هل خلق آدم كفرد، أم خلقه الله وكل ذريته مطمورة فيه إلى يوم القيامة؟ إذا قرأنا القرآن الكريم نجد أن الله سبحانه وتعالى يقول: «وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ» (الأعراف: 11). الخطاب هنا للجمع، لآدم وذريته، فكأنه سبحانه وتعالى يشير إلى أن الأصل الأول للخلق آدم، وهو مطمور فيه صفات المخلوقين من ذريته إلى أن تقوم الساعة وراثة. أي أنه ساعة خلق آدم.. كان فيه الذرات التي سيأخذ منها الخلق كله. هذا عن هذا.. حتى قيام الساعة.
والحق سبحانه وتعالى. حين أمر الملائكة بالسجود لآدم. فإنهم سجدوا لآدم ولذريته إلى أن تقوم الساعة. وذرية آدم كانت مطمورة في ظهره. وشهدت الخلق الأول. والله سبحانه وتعالى، عندما يُحدِّث الملائكة عن ذلك، فلأن لهم مع آدم مهمة. فهناك المدبرات أمراً، والحفظة الكرام، وغيرهم من الملائكة الذين سيكلفهم الحق سبحانه وتعالى بمهام متعددة تتصل بحياة هذا المخلوق الجديد. فكان الإعلام. لأن للملائكة عملاً مع هذا الخليفة.
حياة سابقة
ولكن هذا الخليفة سيخلف مَنْ؟ الله جعل الملائكة يسجدون لآدم ساعة الخلق، وجعل الكون مسخراً له، فكأنه خليفة الله في أرضه. أمده بعطاء الأسباب. فخضع الكون له بإرادة الله. وليس بإرادة الإنسان.. ماذا قالت الملائكة؟ «قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ».. كيف عرف الملائكة ذلك؟ لابد أن هناك حالة قبلها قاسوا عليها. أو أنهم ظنوا أن آدم سيطغى في الأرض. ولكن كلمة سفك وكلمة دم. كيف عرفتهما الملائكة وهي لم تحدث بعد؟ لابد أنهم عرفوها من حياة سابقة. والله سبحانه وتعالى يقول: «وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ» (الحجر: 27)، فكأن الجن قد خُلق قبل الإنسان.
ويقول الطاهر بن عاشور التونسي، في تفسيره «التحرير والتنوير»: «الخليفة دليل على أن جعل الخليفة كان أول الأحوال على الأرض بعد خلقها. فالخليفة هنا الذي يخلف صاحب الشيء في التصرف في مملوكاته ولا يلزم أن يكون المخلوف مستقراً في المكان من قبل، فالخليفة آدم وخلافته قيامه بتنفيذ مراد الله تعالى من تعمير الأرض بالإلهام أو بالوحي، وتلقين ذريته مراد الله تعالى من هذا العالم الأرضي، ومما يشمله هذا التصرف تصرف آدم بسن النظام لأهله وأهاليهم على حسب وفرة عددهم واتساع تصرفاتهم، فكانت الآية من هذا الوجه إيماء إلى حاجة البشر إلى إقامة خليفة لتنفيذ الفصل بين الناس في منازعاتهم، إذ لا يستقيم نظام يجمع البشر من دون ذلك».