يقول الشيخ محمود المصري في كتابه «ليلة في بيت النبي صلى الله عليه وسلم»: «روى أن امرأة عجوزاً جاءته تقول: يا رسول الله: ادع الله لي أن يدخلني الجنة»، فقال لها: «يا أم فلان! إن الجنة لا يدخلها عجوز» (أخرجه الترمذي). وانزعجت المرأة وبكت، ظناً منها أنها لن تدخل الجنة، فلما رأى ذلك منها بين لها غرضه: أن العجوز لن تدخل الجنة، بل ينشئها الله خلقاً آخر، فتدخلها شابة بكراً.. وتلا عليها قول الله تعالى: {إنا أنشأناهن إنشاء، فجعلناهن أبكاراً، عرباً أتراباً}، (سورة الواقعة الآيات 35-37).
أبو الورد
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالوا: يا رسول الله إنك تداعبنا، قال: نعم، غير أني لا أقول إلا حقاً. (أخرجه الترمذي) ومن فوائد الحديث أن المزاح إذا كان صدقاً فهو مباح، أما إذا كان باطلاً ممتلئاً سخرية واستهزاء يؤذي النفس والشعور فهو منهي عنه.
وعن أبي الورد قال: «رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرآني رجلاً أحمر، فقال لي: «أنت أبو الورد». قال جبارة بن المغلس: مازحه».
وعن عبد العزيز بن أبي بكرة نفيع بن الحارث عن أبيه رضي الله عنه قال: «لما حاصر النبي صلى الله عليه وسلم الطائف تدليت ببكرة. فقال صلى الله عليه وسلم: «كيف صنعت؟!». فقلت: تدليت ببكرة. فقال صلى الله عليه وسلم: «أنت أبو بكرة».
«سفية» وذو الأذنين
ويذكر مجدي محمد الشهاوي في كتابه «مواقف فرح فيها الرسول صلى الله عليه وسلم»: «عن سعيد بن جمهان أنه لقي سفينة - مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم - ببطن نخلة في زمن الحجاج. قال: فأقمت عنده ثمان ليال أسأله عن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فقلت له: ما اسمك؟ فقال: ما أنا بمخبرك، سمانى رسول الله صلى الله عليه وسلم سفينة. قلت: ولم سماك سفينة ؟! قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه، فثقل عليهم متاعهم، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ابسط كساءك». فبسطته، فجعلوا فيه متاعهم ثم حملوه علي. فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احمل فإنما أنت سفينة». فلو حملت يومئذ وقر بعير أو بعيرين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة ما ثقل علي»، (أخرجه أحمد).
وعن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: يا ذا الأذنين. (أخرجه أبو داود والترمذي) والحديث فيه بيان تواضع النبي صلى الله عليه وسلم مع خادمه أنس بن مالك رضي الله عنه، فالمزاح انبساط النفس مع الغير وليس تجريحاً، وهذا الحديث ربما يتعظ به من يتعالى على خادمه ليتعلم من سيد الخلق كيف يكون التواضع لأن المباسطة والملاطفة والرحمة لا تنزل المرء من منزلته إنما ترفعه أبداً فالراحمون يرحمهم الله عز وجل.
أشد الناس عذاباً
يذكر الشيخ أبو إسلام أحمد بن علي في كتابه «40 موقفاً غضب فيها النبي صلى الله عليه وسلم»: «أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة قال: حدثنا ابن أبي السري قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن القاسم بن محمد أن عائشة أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها وهي مستترة بقرام فيه تماثيل فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهوى إلى القرام فهتكه بيده ثم قال إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله». (صحيح ابن حبان).
وفي موقف آخر «حدثنا محمد بنى المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا عبد الله بن سعيد حدثنا سالم أبو النضر مولى عمر بن عبيد الله عن بسر بن سعيد عن زيد بن ثابت قال: احتجز رسول الله صلى الله عليه وسلم حجيرة بخصفة أو حصير فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيها قال: فتتبع إليه رجال وجاؤوا يصلون بصلاته قال: ثم جاؤوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم قال: فلم يخرج إليهم فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضباً فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيكتب عليكم فعليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة».
أسرى بدر
يذكر مجدي محمد الشهاوي في كتابه «مواقف حزن فيها الرسول صلى الله عليه وسلم»: «عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: حدثني عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: لما كان يوم بدر نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم ثلاثمئة رجل وبضعة عشر رجلاً، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم ثم مد يده وجعل يهتف بربه: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض». فما زال يهتف بربه ماداً يديه مستقبلاً القبلة حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر رضي الله عنه، فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله تعالى: {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين}، (سورة الأنفال الآية 9).
فلما كان يومئذ والتقوا هزم الله المشركين، فقتل منهم سبعون رجلاً، واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعلياً رضي الله عنهم، فقال أبو بكر: يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديهم فيكونوا لنا عضداً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ترى يا ابن الخطاب؟».
يقول عمر: قلت: ما رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه، حتى يعلم الله تعالى أنه ليس في قلوبنا مودة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم. فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر رضي الله عنه، ولم يهو ما قلت، وأخذ منهم الفداء، فلما كان من الغد قال عمر رضي الله عنه: فغدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه وهما يبكيان. فقلت: يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما؟!. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الذي عرض على أصحابك من أخذ الفداء قد عرض على عذابكم أدنى من هذه الشجرة - لشجرة قريبة - وأنزل الله تعالى: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض}، (سورة الأنفال الآية67).
وفي موقف آخر حزن فيه الرسول صلى الله عليه وسلم يروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقال له قبيصة بن المخارق قدم عليه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا خالاه أتيتني بعدما كبرت سنك ورق عظمك واقترب أجلك؟». فقال: يا نبي الله ! أتيتك بعدما كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، وافتقرت فهنت على الناس. قال: فبكى النبي صلى الله عليه وسلم لقوله: افتقرت فهنت على الناس. أخرجه الطبراني.
ولد الناقة
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلاً استحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم (أي طلب منه دابة يركب عليها) فقال: «أنا حاملك على ولد ناقة» فقال الرجل: ما صنعت بولد الناقة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وهل تلد الإبل إلا النوق؟».
الرسول كان يمزح ولكن لا يقول إلا حقاً
«إن الجنة لا يدخلها عجوز»
14 يوليو 2017 02:57 صباحًا
|
آخر تحديث:
14 يوليو 02:57 2017
شارك
كانت سيرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- نموذجاً متكاملاً للشخصية المسلمة المثالية من جميع الجوانب والمكونات. فهو في خلوته يصلي ويطيل الخشوع والبكاء حتى تتورم قدماه، وهو في الحق لا يبالي بأحد في جنب الله، ولكنه مع الحياة والناس بشر سوي، يحب الطيبات، ويبش ويبتسم، ويداعب، ويمزح، ولا يقول إلا حقاً صلى الله عليه وسلم.