مرض الحمى السوداء ويسمى داء «كالا زار» أو المرض المميت ويطلق عليه أيضاً داء الليشمانيات الحشوي، من الأمراض الطفيلية التي تنتشر على نطاق واسع في الكثير من دول العالم، ويعد من الأمراض القديمة والتي استمرت حتى الآن ولم تنفع الجهود العالمية المبذولة في مكافحته، وينتقل هذا المرض عن طريق ذبابة الرمل التي تسمى الفاصدة، وينتشر بصورة كبيرة في حوالي 90 دولة حول العالم، ومنها دول في آسيا وإفريقيا وشرقي البرازيل، ووصلت إلى جنوب أوروبا أيضاً، وفي بعض المناطق الأخرى من العالم.
الخطورة في مرض الحمى السوداء أنه إذا لم يعالج جيداً فسوف يؤدي إلى وفاة أغلبية الحالات المصابة به، وهذا المرض لم يأخذ اهتماماً كبيراً من المنظمات العالمية، ونقدم في هذه الموضوع معلومات مفصلة عن هذا المرض، وكيفية انتشاره، وطرق الوقاية والعلاج وفي أي الدول ينتشر بصورة وبائية.
تضخم الطحال والكبد

تبين العديد من الدراسات أن هناك بعض الأعراض التي يسببها مرض الحمى السوداء، ويختلف الوقت الذي تظهر فيه هذه الأعراض من بعد لدغة الذبابة إلى ظهور أول عرض، فبعض الأبحاث تقول إن الأعراض تظهر بعد مرور من شهرين إلى 7 شهور، وهي مدة حضانة الطفيل وقد تصل هذه المدة إلى 3 سنوات في بعض الحالات، ومن هذه الأعراض الإصابة بارتفاع حاد في درجة حرارة الجسم بشكل غير منتظم، وضعف كبير في شهية المصاب يتبعه فقدان ملحوظ في الوزن وشحوب في لون الجلد والوجه، نتيجة الإصابة بالأنيما وفقر الدم الحاد، ويظهر انتفاخ كبير وواضح في البطن بسبب تضخم الطحال والكبد، وألم بسبب حالة الطحال، وتنتاب المريض حالة من السعال الحاد وأيضاً الإسهال المختلط ببعض الدماء، كما يضعف الجهاز المناعي وتتدهور حالته لدى الشخص المريض، ويصبح عرضة لهجوم الأمراض المعدية الأخرى.
التهاب شغاف القلب

في الحالات التي يتطور فيها المرض سلبياً تحدث مضاعفات خطيرة، ويصاب المريض بأمراض أخرى جسيمة، وتظهر أعراض جديدة، ومن هذه الأمراض التهاب شغاف القلب، أي التهاب الغشاء أو البطانة الداخلية للقلب، ومن الممكن أن ينتقل الالتهاب للقلب، وهي حالة مرضية خطيرة تستدعي الرعاية الطبية، وكذلك الإصابة أيضاً بحالة تبول الدم أو البولينا أو اليوريميا؛ حيث يصل تسمم الدم إلى درجات مرتفعة من اليوريا نتيجة قصور واضح في الكليتين، ومن المضاعفات الأخرى الوصول إلى حالة الزحار، وهو مشاكل والتهابات في الأمعاء، خاصة القولون، تسبب الإصابة بالإسهال الحاد الذي يختلط بالدم والمخاط، ما يؤدي إلى زيادة فقر الدم والإصابة بالأنيميا الحادة، كما يسبب المرض حالة من تسمم الدم وتعفنه، وفي نهاية الأعراض الخطيرة التي تقود إلى الموت يتوقف القلب تماماً عن العمل وهذه النهاية لأغلبية الحالات التي تهمل في العلاج المبكر.
دورة حياة الطفيل

تشرح الدراسات أن مرض الحمى السوداء ينتقل عن طريق لدغة ذبابة الرمل من جنس الفاصدة، ويضم هذا الجنس ما يقرب من 610 أنواع، ومن بين هذا العدد حوالي 75 نوعاً أثبتت الأبحاث أنها ناقلة للمرض، وهي من الحشرات الماصة للدم وتنتقل إليها العدوى عن طريق الشخص أو الحيوان المصاب، وذلك عن طفيل وحيد الخلية من جنس اللشمانيا، وهذا الطفيل يمر المرض بمرحلتين الأولى الطور عديم السوط، وله شكل بيضاوي، ويوجد هذا الطور في خلايا المضيف إذا كان إنساناً أو حيواناً، ويعيش في الطحال والكبد ويتكاثر فيها ويحدث الإضرار، والطور الثاني أمامي السوط ويعيش داخل أمعاء أنثى حشرة ذبابة الرمل، فعند وقوفها على جلد إنسان مصاب أو حيوان من ذوي الفقاريات، ينتقل الطور عديم السوط إلى الذبابة ويتحرر في الخلايا البلعمية للذبابة، ثم ينتقل بعد من 10 إلى 15 يوماً إلى فم الذبابة ولعابها ومنه إلى المضيف مرة أخرى، وهكذا تستمر دورة حياة الطفيليات المسببة للمرض، وكثير من الأبحاث تقول إن مرض الليشمانيات يعتبر حيواني المنشأ، كما أن هناك نوعين من هذا المرض، داء حيواني جلدي وحشوي، وداء الليشمانيات البشري المنشأ جلدي وحشوي أيضاً.
اتساع دائرة المصابين

يعرض مرض الحمى السوداء ما يقرب من 220 مليون شخص للإصابة به حول العالم، وزاد من الاتساع الجغرافي لهذا المرض أنه أصبح من الأمراض التي تظهر مرافقة لفيروس الإيدز ولذلك انتشر في أماكن لم يكن موجوداً بها من قبل، وأصبح بذلك من الصعوبات التي يواجهها المصاب؛ حيث إن الإصابة بهذا الازدواج المرضي يؤثر بشكل خطر في حياة المريض، فمرض الإيدز يؤثر في مرض كالازار والعكس، حيث يتسبب مرض نقص المناعة في تفاقم مرض الحمى السوداء، و الإصابة بمرض كالازار يعجل من ظهور الأعراض المهلكة للإيدز، فكلهما يؤثر في الآخر تأثيراً سلبياً، وتضيف الأبحاث أن مرض الحمى السوداء يضر الأطفال ويحدث خللاً في عملية النمو الطبيعية لهؤلاء الأطفال، بسبب سوء التغذية مع فقر الدم الحاد الذي يسببه المرض، ما يجعل الطفل أقل من أقرانه في مرحلة النمو الواحدة من ناحية النضج والإدراك والقدرات البدنية والعقلية، وتصل نسب الوفاة من هذا المرض إذا لم يعالج إلى نسبة 93% وتقل هذه النسبة إلى 8% إذا تلقى المريض الرعاية الصحية اللازمة والأدوية المخصصة لهذا المرض.
خريطة انتشار المرض

تشير الدراسات إلى أن هناك أماكن ودولاً تعد الأكثر إصابة بمرض الحمى السوداء مقارنة بغيرها من الدول الأخرى، فمثلاً تحتل شبه القارة الهندية أعداداً ونسباً كبيرة من المصابين بهذا المرض؛ حيث تصل النسبة بهذه المنطقة إلى ما يقرب من 63% من إجمالي أعداد المصابين في العالم، كما ينتشر في شرقي إفريقيا، ونسبة كبيرة من هذا المرض تنتشر في الدول النامية، كما ينتشر في منطقة حوض البحر المتوسط وأمريكا اللاتينية، ويعد هذا المرض ثاني أكبر أسباب الأمراض الطفيلية، وغالباً ما يصيب المجتمعات الفقيرة وتكلفة علاجه غالية بالنسبة لهم، والمرض قاتل دون علاج، لكن في حالة تناول الأدوية ينجو المريض من الموت، وتصنف منظمة الصحة العالمية مرض الحمى السوداء من الأمراض التي لم تحظ باهتمام عالمي ويعد من الأمراض المهملة.
خيارات متنوعة

تتوفر العديد من الأدوية لعلاج المرض، فما زال الكثير يستخدم أدوية الانتيمون خماسية التكافؤ مثل البرازيل ودول حوض البحر المتوسط، وعلى الرغم من توافر خيارات متعددة إلا أن هذه العلاجات غير مكتملة وبعضها له أضرار جانبية؛ حيث تستخدم الانتيمونات خماسية التكافؤ كعلاج سريع وخط دفاع أساسي في كثير من الدول، ويؤخذ على صورة حفنة عضلية كل يوم لمدة تصل إلى 30 يوماً، وهذا العلاج مازال الأقوى في البلاد التي ينتشر ويستوطن فيها المرض، وبالرغم من ذلك فإن له آثاراً جانبية مضرة، ولا تستطيع أن تتحمله السيدات الحوامل ولا المرضى كبار السن ولا المصابون بمرض نقص المناعة، وترتفع نسبة الوفاة في مرضى الإيدز بسبب هذا المرض، وأعلنت بعض شركات الأدوية العالمية أنها بصدد تطوير علاج جديد سوف يتم الإفصاح عنه في المستقبل القريب.
الفقر والجهل والذباب

تنصح الأبحاث للوقاية من مرض الحمى السوداء باتخاذ اللازم بالنسبة للأشخاص الذين يسافرون إلى المناطق الموبوءة بهذا المرض، وعلى الحكومات وضع خطة للقضاء على ذبابة الرمل لكسر حلقة من دورة حياة الطفيل المعدي، وبذلك لا تكتمل حياته ولا ينتقل للإنسان، وكذلك لابد من تقديم كافة الرعاية الصحية للمناطق الفقيرة المصابة بهذا المرض، حتى لا تتسع دائرة انتشاره، فهذه الطريقة نوع من الوقاية المستقبلية بعدم إصابة أشخاص جدد، كما أنه للوقاية من هذا المرض لابد من القضاء على الفقر والجهل اللذين يمثلان عاملاً كبيراً في الإصابة بهذا المرض، وقد لاحظت بعض الأبحاث عدم انتظام المرضى في بعض البلدان للعلاج فترات طويلة، فلابد من رفع حالة التثقيف الصحي لدى هؤلاء، والأهم علاج المصابين الذين تطور لديهم المرض إلى العدوى الجلدية شديدة العدوى، ونسبة هؤلاء تصل إلى 12% من المرضى وهذا المرض يمكن أن يستمر عدة سنوات ولا يشعر به المريض، ويمتنع عن إتمام العلاج، ما يشكل خطورة انتشار العدوى بين الآخرين.

12 مليون مصاب

أعلنت أحدث تقارير لمنظمة الصحة العالمية أن ما يقرب من 12 مليون مصاب بمرض الحمى السوداء حول العالم، ويضاف اليهم نصف مليون حالة إصابة جديدة تحدث سنوياً، ويبلغ عدد المتوفين 50 ألف شخص من هذا العدد، وهو من الأمراض التي تنتشر في 22% في الدول المتقدمة و73% من دول العالم الثالث، وهذا المرض يتفشى أكثر في المجتمعات الفقيرة، نتيجة ضعف الوعي الصحي والثقافة الطبية، وعدم وجود ما يكفي من إمكانيات مادية وأجهزة طبية، كما أنه يصيب الأطفال تحت سن الخامسة بنسبة تقترب من 82% وتحت سن العاشرة تصل إلى حوالي 95%.