الشارقة: علاء الدين محمود
لا تكاد المبادرات الفكرية والثقافية تتوقف في دولة الإمارات، فهي تعلن في كل مرة عن جديد في حقول الثقافة المختلفة والفنون والأدب، فتأتي أكلها في كل حين معرفة وفكراً وعلوماً وثقافة، لتجعل من اسم الإمارات سارية عالية ترفرف في فضاء الفكر العالمي، لتصبح الدولة صانعة للثقافة والفكر عبر هذه المبادرات والجوائز التي تنتصب منصة معرفية فاعلة في الفضاء العربي والدولي، ومن تلك الجوائز التي تفخر بها الدولة تقف شامخة «جائزة الشيخ زايد للكتاب»، لكونها تُعرِّف بالثقافة العربية وتحمل هم انتشارها وتفوقها وتلاقيها وتعارفها مع الثقافات الأخرى.
في العام 2006 انطلقت الجائزة التي جاءت تعبيراً عن المكانة الكبيرة للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، واحتفاء بدوره الرائد في التوحيد والتنمية وبناء الدولة والإنسان.
ومن خصوصية هذا الاسم؛ فإن الجائزة تحمل فرادة ومكانة خاصة في قلوب المثقفين والمبدعين الإماراتيين والعرب؛ إذ إنها جائزة سنوية تمنح في الأصل للمبدعين من المفكرين والناشرين والشباب، في مجالات متعددة من ضروب المعرفة والأدب تشمل: التأليف والترجمة في العلوم الإنسانية التي لها أثر واضح في إثراء الحياة الثقافية والأدبية والاجتماعية، وذلك وفق معايير علمية وموضوعية.
تعتبر الجائزة مستقلة، وتهدف إلى تقدير المفكرين والباحثين والأدباء الذين قدموا إسهامات جليلة وإضافات وابتكارات في الفكر، واللغة، والأدب، والعلوم الاجتماعية، وفي ثقافة العصر الحديث ومعارفه، كما أنها تعمل على تقدير الشخصيات الفاعلة التي قدمت إنجازات متميزة على المستويين العربي والعالمي وتعريف القارئ بتلك الإنجازات، وربطه بالتجارب الإبداعية والمنجزات الفكرية الجديدة والفاعلة، وتقدير الدور الحضاري البناء الذي يقوم به المترجمون، والمتمثل في إثراء الثقافات والآداب، وتعزيز الحوار بين الحضارات، وبناء روح التقارب بين الأمم، وتشجيع إبداعات الشباب، وتحفيزهم على البحث، وخلق روح التنافس الإيجابي في هذا القطاع الحيوي الفاعل الذي يمثل حاضر الأمة ومستقبلها، وتشجيع المؤسسات والهيئات ومراكز البحوث ودور النشر العربية وغير العربية المتميزة التي تحتفي بالكتاب، وتصدر عن مشروع حضاري وثقافي، وتُقدِّم الإبداع، وتنشر ثقافة الاستنارة، وتعزِّز القيم الإنسانية القائمة على الحوار والتسامح، كما أن الجائزة تقوم بمهمة جليلة في تشجيع أدب الأطفال والناشئة، الذي يسعى إلى الارتقاء بثقافة هذه الشريحة المهمة في المجتمع وذائقتها الجمالية، ويبني هويتها الحضارية على التفاعل الخلاق بين الماضي والحاضر.
ومن ضمن الأهداف التي وضعتها الجائزة على عاتقها، تقدير المفكرين والباحثين الذين يكتبون باللغات الأخرى من المهتمين بالثقافة والحضارة والمعارف والعلوم والمجتمعات العربية عبر التاريخ، ولكل هدف من هذه الأهداف التي وضعتها الجائزة نصب عينيها أهميته القصوى، فقد نجحت بالفعل في تحقيق الرؤى التي حملتها والأهداف المعلنة لها؛ إذ تأتي هذه الأهداف متماهية ومنسجمة مع رؤية الدولة للثقافة ووضعية الإنسان كهدف للتنمية، فقامت بإعلاء شأن الفكر كرافعة أساسية في عملية النهضة والتنمية.
وتتشكل الجائزة من عدة فروع أساسية تنسج خيوط حكايتها، وتتجمع لتشكل ثوب الجائزة القشيب، ومن تلك الفروع: جائزة الشيخ زايد للتنمية وبناء الدولة، وتشمل المؤلفات العلمية في مجالات الاقتصاد والاجتماع والسياسة، والإدارة والقانون والفكر الديني، وذلك من منظور التنمية وبناء الدولة وتحقيق التقدم والازدهار، سواء أكان ذلك في الإطار النظري أو التطبيق على تجارب محددة، وهنالك جائزة الشيخ زايد للمؤلف الشاب، وتشمل المؤلفات في مختلف فروع العلوم الإنسانية والفنون والآداب، إضافة إلى الأطروحات العلمية المنشورة في كتب، على ألا يتجاوز عمر كاتبها أربعين عاماً، وكذلك جائزة الشيخ زايد للترجمة التي تتضمن المؤلفات المترجمة مباشرة عن لغاتها الأصلية إلى اللغة العربية ومنها، شرطَ التزامها بأمانة النقل ودقة اللغة، والجودة الفنية، وإضافة الجديد إلى المعرفة الإنسانية، مُعلية التواصل الثقافي، وتضاف إلى تلك الفروع جائزة الشيخ زايد للآداب، حيث تشمل المؤلفات الإبداعية في مجالات الشعر، والمسرح والرواية والقصة القصيرة والسيرة الذاتية وأدب الرحلات، وغيرها من الفنون، وكذلك جائزة الشيخ زايد للفنون والدراسات النقدية التي تتضمن دراسات النقد التشكيلي، والنقد السينمائي، والنقد الموسيقي، والنقد المسرحي، ودراسات فنون الصورة والعمارة، والخط العربي والنحت والآثار التاريخية، والفنون الشعبية أو الفولكلورية، ودراسات النقد السردي، والنقد الشعري، وتاريخ الأدب ونظرياته.
ومن الفروع المهمة في الجائزة، فرع يهتم بتشجيع المؤلفات الصادرة باللغات الأخرى عن الحضارة العربية وثقافتها، بما فيها العلوم الإنسانية والفنون والآداب، عبر حقولها المختلفة ومراحل تطورها عبر التاريخ، وهنالك جائزة الشيخ زايد للنشر والتقنيات الثقافية التي تُمنح لدور النشر والتوزيع الورقية، ولمشاريع النشر والتوزيع والإنتاج الثقافي الرقمية والبصرية والسمعية، سواء أكانت ملكيتها الفكرية تابعة لأفراد أم مؤسسات، وجائزة الشيخ زايد لشخصية العام الثقافية التي تُمنح لشخصية اعتبارية أو طبيعية بارزة، على المستوى العربي أو الدولي، بما تتميز به من إسهام واضح في إثراء الثقافة العربية إبداعاً أو فكراً، على أن تتجسد في أعمالها أو أنشطتها قيم الأصالة والتسامح والتعايش السلمي.
ونلاحظ ذلك الشمول الذي تتميز به الجائزة، حيث يدور في فلكها عدد من التخصصات المعرفية والفكرية، وبالتالي يعطي هذا الأمر الجائزة زخماً وأهمية قصوى، وهو بالفعل ما يميز الجائزة ويجعلها في مصاف المبادرات والأنشطة الثقافية الكبرى في الإمارات والعالم العربي؛ الأمر الذي يحرك النشاط الثقافي ويجعله في حراك دائم ومستمر، لكون أن الجائزة سنوية وتتوسع وتتطور بحيث تشمل أنشطة جديدة؛ الأمر الذي يجعل المثقفين والكتاب والناشرين والشخصيات الثقافية في كل الوطن العربي في حالة اجتهاد دائم لا يعرف التثاؤب ولا الكسل، من أجل نيل أحد فروع الجائزة الرفيعة، وهذا بالفعل هو الهدف الأسمى؛ إذ إن الهدف هو أن يصبح الحراك الثقافي العربي كخلية نحل في نشاط واجتهاد مستمرين، من أجل رفعة الثقافة العربية.
وقد عزز القائمون على أمر الجائزة ذلك، عبر جملة من التقاليد الرصينة، التي تكفل للجائزة سمعتها ومكانتها العلمية والثقافية، فأقرت مجموعة من الشروط العامة التي يتوجب على المبدع أن يستوفيها، ونظاماً للتحكيم يكفل النزاهة والشفافية والحياد والموضوعية.
ولعل من أهم تلك الشروط التي تضمن التجديد والاستمرار هي أن تكون الأعمال جديدة، وأن يشارك كل شخص في الضروب المختلفة بعمل واحد. وحفاظاً على اللغة العربية ومكانتها؛ فإن لجان الجائزة وضعت شرطاً وهو أن تكون المؤلفات المرشحة مكتوبة باللغة العربية، باستثناء فرع جائزة الترجمة، وفرع جائزة الثقافة العربية في اللغات الأخرى، وهي العملية التي يشرف عليها مجلس أمناء الجائزة والهيئة العلمية للجائزة، عبر توفير لجان تحكيم من أشخاص مميزين في مجالاتهم الفكرية والثقافية من مختلف دول العالم، لتقابل تلك الأعمال الفائزة بجوائز مالية ضخمة في الفروع المختلفة للجائزة.
وتهتم هذه الجائزة الكبيرة باستمرار الإبداع العربي، وتجعل من شعوب الوطن العربي وبلدانه صانعاً للفكر والثقافة لا متلقياً له، وهي بذلك تسهم في إبراز التراث والخصوصية الثقافية والهوية العربية، وتُعرِّف بها، وتلك قيمة كبيرة تجعل العرب حاضرين على الدوام في مجال الإبداع والفكر.