إعداد: أمل سرور

حكاية «العريش» شائقة وطويلة، فهو أحد المساكن التي عرفها المجتمع الإماراتي قديماً، وقضى فيها فصل الصيف، محتمياً بسعف النخيل مستظلاً به، وفضلها لأسباب عدة أهمها أن خامات البناء سهلة المنال، وبناء العريش أمر سهل وكذلك هدمه، كما أن لخشب النخيل عمراً طويلاً يسمح له بمقاومة الرطوبة والحرارة.
كان الأجداد ينسجون جدران العريش، وسقفه كل منها على حدة، حيث يُرص الجريد جنباً إلى جنب، ويثبت بالحبال المصنوعة من سعف النخيل، ومن ثم يوضع على أعمدة العريش التي تكون غرست في الأرض، بما يمكنها من حمل نسيج الجريد وسقفه.
ويتألف العريش من أقسام عدة، منها «المجلس» وهو غرفة لها شكل مستطيل، وتكون مزودة بحصائر وأرائك، ويتوسطها مصب ودلال وفناجين القهوة العربية وصحن تمر، وهناك باب لدخول الضيوف من الخارج، وآخر من داخله يخص سكان البيت، و«غرفة رئيسية» تُصنع من خشب الجندل الإفريقي، وتستند إلى أربعة أعمدة من الخشب تربط بالحبال، ثم يغطى السقف والجدران بالجريد وسعف النخيل، ويبنى على الأرض مباشرة، ويوضع في ركن منه فراش ووسائد النوم، وفي ركن آخر «المندوس» الذي يعتبر خزانة لبعض الملابس والمستلزمات الخاصة، وتمتد حصيرة عليها وسائد كبيرة يستند إليها سكان البيت.
أما بقية أجزاء البيت فتتوزع على غرف عدة، مصنوعة من السعف، مثل «الليوان» وهو غرفة مرتفعة عن الأرض نوعاً ما، مسقوفة بالخشب لها باب ونوافذ لجلب الهواء، كما يقام فوق غرفتي العريش أو الليوان «برجيل» ليجلب الهواء إلى داخل المسكن، وتعتبر كل منهما غرفة مبيت أهل البيت، وتستخدمان للمعيشة والنوم معاً. وأما المطبخ، فيكون صغير الحجم، يقع في إحدى زوايا المنزل بعيداً عن غرف المعيشة، خشية التلوث بمخلفات الأخشاب المحروقة ورائحة الطعام، وكان طهو المأكولات يتم خارجه، بينما يعد داخله مخزناً لأدوات المطبخ المصنوعة من «الخوص» كالسلال والقدور والأواني الفخارية، وكذلك المؤونة البسيطة من طحين وأرز وتمر وسمن وسكر وملح، وبالقرب منه يقع الحمام.
أما «الطوي» فهو بئر الماء وتكون بالقرب من المطبخ. وهناك حظيرة الحيوانات والدواجن، وتكون أيضاً في زاوية من المنزل وبها مستودع للعلف.
وبناء بيت كامل متعدد الغرف من النخلة بكل تفاصيلها تعبير عن كم المجهود الذي كان يبذله الأجداد، فأدوات البناء التي استخدموها تتكون من إبرة كبيرة تعرف ب«الدفرة»، ومنجل يطلق عليه «الداس»، وهناك «الزفانة»، وهي عملية ربط سعف النخيل المجرد من الخوص والشوك؛ إذ يبدأ العامل بقص الخوص اليابس من النخلة بعد تجريده، وتتم هذه العملية غالباً في يونيو ويوليو، حيث يتم تنظيف النخيل والحفاظ على شكله ومظهره الجيد، وتتم الاستعانة بالخوص في صنع بيت السعف. وتتعدد استخدامات بيوت السعف بين الشتاء والصيف، وبُنيت منها أيضاً المدارس والمستشفيات، واستخدمت حظائر لصيد الأسماك، ومخازن لحفظ الطعام.
وحتى اليوم مازال كثير من الحرفيين يجيدون بناء الأعرشة، وينقلونها إلى أبنائهم، كي يظل هذا الإرث حاضراً مؤكداً للهوية الإماراتية، المتمثلة في علاقة الإماراتي بالنخيل.