تحقيق: مها عادل

العيدية، طقس لا غنى عنه في العيد، فهي ارتبطت في مجتمعاتنا بفرحة العيدين، وبمنح الأطفال نصيباً من الفرحة والبهجة، والترابط مع الأهل والأقارب. ويقوم عيد الأضحى في جوهره على مبدأ البذل والعطاء والتضحية بهدف إسعاد الآخرين، ونجد الشرع الحنيف ينص على توزيع ثلث لحوم الأضحية على المحتاجين والثلث للأهل والأقارب لإدخال السرور على قلوب الجميع، وتقوية للروابط الأسرية والاستمتاع بالتفاف العائلة حول مائدة طعام زاخرة باللحوم وأنواع الشواء المختلفة، وأطيب المأكولات.

وتعتبر العيدية بدورها شكلاً من أشكال البذل والعطاء لإسعاد الصغار، ورسم ملامح السعادة والبهجة على وجوههم ومنحهم شعوراً قوياً بأهميتهم لدى الكبار خصوصاً في أيام العيد المباركة. ولكن ترى هل العيدية لا تزال تحمل نفس سمات البهجة في نفوس أبنائنا؟ وهل لا يزال الأهل يحرصون على تقديمها؟ وهل مازالت العيدية تقليداً مقدساً تتوارثه الأجيال ولا تنقرض، كما انقرضت العديد من العادات والتقاليد الجميلة من مجتمعاتنا؟ هذا ما نحاول الإجابة عنه في هذا التحقيق.

مي محمد، طالبة جامعية، تقول: «أعترف أنني أفتقد العيدية كثيراً، فالتقاليد السائدة في أسرتنا أن العيدية تكون من نصيب الصغار فقط، أما الشباب والكبار فتسقط عنهم هذه الميزة بحكم أن مبلغ العيدية الذي يليق بهم سيكون كبيراً أو مبالغاً فيه، وعادة ما يرتبط هذا التقليد بشراء الألعاب والحلوى للأطفال».

وتضيف: «صحيح أننا نحصل على زيادة في المصروف الشهري في أول شهر العيد، ويمكن طبعاً أن نطلب من والدينا مصاريف إضافية للخروج مع الأصدقاء وقتها، ولكن ذلك لا يمنع أن إحساس الحصول على العيدية عقب صلاة العيد كان له دائماً ذاك الوقع الخاص في نفسي، خصوصاً حين تتجمع مبالغ كبيرة من مجموع العيديات السخية، التي أحصل عليها من والدي وجدي والأعمام والأخوال».
وتشير هالة حسين، مترجمة في دبي، إلى أن أكثر الأشخاص حرصاً على استمرار تقليد العيدية للصغار والكبار أيضاً، هما جدتها وحماتها جدة أولادها، وهو من الأمور المقدسة بالنسبة لهما. تقول: «أعتقد أنهما تشعران بسعادة بمنح العيدية للآخرين تماثل سعادة الأطفال الذين يحصلون عليها، وتعتبران أن منح العيدية للجميع هو دورهما الذي لا يحق لأحد أن ينافسهما فيه. وإلى الآن، على الرغم من أنني في العقد الخامس من عمري ولدي 3 أولاد أكبرهم في الثانوية العامة، إلا أنني أفرح كثيراً عندما تفاجئني جدتي في كل عيد وتقوم باستدعائي بالاسم، كما تفعل مع الأطفال كل واحد منهم على حدة، وتمنحني العيدية. وكلما نادت على اسم يصفق أفراد الأسرة ابتهاجاً بطقس الحصول على العيدية. إنه طقس جميل يشعرني أنني ما زلت صغيرة حتى الآن، وأتمنى أن يمد الله في عمر جدتي ويمنحها دائما الصحة والسعادة، فهي التي تمنح هذا الطقس خصوصيته وبهجته».
الطفل باسم ناصر، 11 عاماً، يؤكد أنه ينتظر العيدية من كل أفراد أسرته، من أبيه وأمه وأعمامه وأحياناً من أصدقاء أبيه المقربين الذين يجتمعون معهم في كل عيد للاحتفال وتناول الطعام والتنزه سوياً، ولذلك تكون حصته من العيدية جيدة.
يوضح ناصر قائلاً: «تسمح العيدية بأن أضع خططاً قبل العيد بأيام، لإنفاقها في أوجه مختلفة، فأحياناً أخطط للذهاب إلى السينما أو إلى الملاهي مع أصدقائي وهذا العام أنوي إنفاقها في حلبة التزلج بدبي مع أسرتي وأصدقائي».
وعلى الرغم من حرص علي إبراهيم، الموظف بشركة علاقات عامة في دبي، على إحياء هذا التقليد مع أبنائه، فإنه يشعر دائماً أنه لم يعد يمثّل لهم نفس مقدار الأهمية والبهجة التي كانت تمثلها العيدية له في صغره. يقول: «أبنائي يحصلون على مصروف شهري كبير، وكثيراً ما يطلبون نفقات إضافية عند الخروج مع أصدقائهم، وبالتالي لا تعتبر العيدية استثناء مادياً في حياتهم. هي مجرد منحة مالية إضافية تشبه تلك التي يحصلون عليها في غير أيام العيد، عندما يرتبون للذهاب إلى السينما أو قضاء الوقت مع أصدقائهم. وربما من ضمن ما يقلل من أهمية العيدية في حياتهم أنهم يحصلون عليها مني ومن والدتهم ولم يتعودوا أخذها من الأقارب بسبب العيش خارج بلدنا، وبالتالي لا يتاح لهم فرصة تجميع مبالغ كبيرة من العيدية كما كنا نفعل بصغرنا، عندما كان مجموع العيدية يمثل مصروف أشهر عدة تتجمع بين أيدينا في يوم واحد فكانت لها بهجة كبيرة».
وعن القيمة الاجتماعية التي تلعبها العيدية في حياة الأولاد، تقول نجاح الإبراهيمي، الاختصاصية الاجتماعي من دبي: «الأعياد بطبيعتها كما تحمل بين طياتها طاعة لأوامر الله، سبحانه وتعالى، وتنفيذ العبادات المرتبطة بالعيد، إلا أنها أيضاً ترتبط بمجموعة من الطقوس والعادات والتقاليد الاجتماعية المرتبطة بمجتمعاتنا العربية مثل العيدية والتجمع حول مائدة طعام واحدة والزيارات العائلية وشراء الملابس الجديدة. كل هذه الطقوس تمثل روح العيد وبهجته».
يضيف: «إحياء مثل هذه العادات والحفاظ عليها يعزز شعور الأبناء بهويتهم ويزيد من ارتباطهم بمجتمعاتهم ويرسخ داخلهم مجموعة من الذكريات الجميلة التي تزيد من ارتباطهم ببيئتهم وأسرتهم و تثري مخزونهم الثقافي الموروث، ومع ذلك نلاحظ أن طبيعة الحياة المدنية قللت من طبيعة هذه الطقوس وتغلغلها في حياة الناس. ففي مجتمعات المدينة الحديثة نجد أن كثيراً من الناس يستعيضون عن الزيارات العائلية والتجمع الأسري بالسفر خارج البلاد مثلاً أو قضاء بضعة أيام الإجازة في فنادق خارج مدينتهم، وبالتالي يتم التعامل مع العيد كإجازة عادية بعكس ما يحدث في المجتمعات ذات الطابع الريفي أو القبلي، حيث مازالت العائلات الممتدة تعيش في مكان واحد، فنجد أجيالاً مختلفة من العائلة يعيشون إما تحت سقف واحد أو في بيوت متقاربة، وبالتالي تظل روابط وتقاليد العيد محافظة على وجودها، بما في ذلك العيدية التي تستخدم كوسيلة للتقريب بين أطفال العائلة والأجيال الأكبر».