عسكرة السياسة منذ القرن الثامن عشر تُفضي إلى حروب مُسْتَدامة وليس إلى تنمية حقيقية مُسْتَدامة وتزيد من تقديرات السياسيين الخاطئة، وتهدد الأمن البشري، وتعوق تحقيق الرفاهية الدولية الجَمالية التشاركية، وتُنْشِئُ فئات عسكرية وسياسية واجتماعية تَميل للعدوان وتُثْرِي منه وتخلط بين الحرب «المشروعة» و«غير المشروعة»، ولاتُميّز بينهما، كما ميّز القانون الدولي والتعاليم الدينية.
الحروب الأهلية الأوروبية صارت حروباً استعمارية إمبريالية لاقتسام السوق العالمية، واحتلال مواقع حيوية لتأمين المصالح الاقتصادية والنفوذ السياسي والهيمنة على الثروات. العسكريتاريا الأوروبية أَسسها نابليون بونابرت الأول (1799 – 1814) بحروبه الدفاعية عن الثورة الفرنسية، لكنها تحولت عن طبيعتها الدفاعية الثورية، فغزا أوروبا وروسيا ومصر وفلسطين، بدافع اقتصادي توسعي إمبراطوري، فتحالفت ضده القوى الأوروبية وهَزَمته في 1815 وأَسَرَتْه ونَفَتْه. وصَنف المؤرخ الفرنسي، كلود ريب، نابليون، «مجرم حرب»، لكثرة ضحاياه.
الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918) أبادت 40 مليون إنسان نتيجة للتعصب القومي والصراع السياسي المادي، وقبل الحرب، دعت اتحادات عمالية أوروبية للإضراب العام لمنعها، لكنه فشل. ولم يمنع مبدأ «التعايش السلمي» اندلاع الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945) وكانت مجزرة كبرى سفكت دماء 80 مليون إنسان، نصفهم من المدنيين. ومفهوم «الحرب الباردة» (1945 – 1991) عكس «المواجهة غير المباشرة» بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، فلم تحدث، بينهما، حرب مباشرة، لواقعيتهما السياسية، فالتزما بالتهدئة والتعايش السلمي، لكن، سباق تسلح مُكْلِف وغير منضبط، اندلع بينهما، أَضر بالتنمية، في البلدين، وبُلدان الجنوب العالمي التي أصبحت ساحات قتال غير مباشر بين القوتيّن العظمييّن، وأسهم في سقوط السوفييت عام 1991.
في كتاب: «خطر التنافس: كيف يهدد التنافس بين القوى العظمى السلام ويُضعف الديمقراطية» للباحثَيْن الأمريكيّيْن: فان جاكسون ومايكل برينيس، رَصدٌ للدمار والموت الذي خلفه التنافس أثناء الحرب الباردة، يقول الباحثان: «كانت هناك وحشية جماعية وتضحيات ومخاطر تحملها المواطنون العاديون بشكل غير متناسب وليس النُخَب. هذا التنافس يعمل على تمكين الأقوياء (الأثرياء) وتهميش الضعفاء (الفقراء)».
الباحث السياسي الفرنسي، نويل مامير، الذي شغل منصب عمدة في فرنسا، ونائباً في الجمعية الوطنية الفرنسية، وعضواً في البرلمان الأوروبي، نشر حقائق في دراسته عن الحروب والنزاعات المسلحة، في 23 أكتوبر2002 وقّع الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش على قانون يخصص 355 مليار دولار في موازنة وزارة الدفاع لسنة 2003، بزيادة 12% عن موازنة 2002، والزيادة رد على اعتداء 11 سبتمبر 2001 وهدفت لتأمين السنوات التالية، لتصل إلى 451.4 مليار دولار سنة 2007. وبلغت الزيادة 73.75% في العقد 1997 – 2007. موازنة وزارة الدفاع الأمريكية فاقت النفقات العسكرية لروسيا والصين واليابان وبريطانيا وألمانيا وفرنسا مجتمعة.
نويل مامير، دَرَسَ الحرب الأمريكية على العراق (2003) التي كانت تحت شعار «الحرب ضد محور الشر»، لكن، الباحث يراها حرباً «نابليونية» تسلطية قاسية عكست خضوع النظام الديمقراطي الأمريكي لنخبته العسكرية ولرجال الأعمال، والمسيحانية، (حركة وأيديولوجية متطرفة مهووسة بإشعال الحروب في الشرق الأوسط وعليه، باعتباره مصدر «تهديد»)، والحرب على العراق – طبقاً للباحث – ضمن حروب الشمال على الجنوب.
«عقيدة الحرب الأمريكية» صنعت انقساماً أمريكياً داخلياً عمودياً وأفقياً، وابتعاداً عن جوهر نشأة الجمهورية الأمريكية التقدمي الدستوري، وفجوة بين الوعود الانتخابية الرئاسية وواقع السياسة العامة، وقَطيعة بين المجتمع والدولة، وإرباكاً عالمياً، وصعوبات معيشية وهيكلية وعنف ومُهمشين داخل كل ولاية أمريكية، لقلة الاعتمادات المالية التي يتم تحويلها إلى برامج وشركات التسلح الكبرى: (لوكهيد مارتن، بوينغ، ريثيون، جنرال داينميكس، نورثروب غرومان)، المرتبطة بوزارة الدفاع (الحرب)، التي تسندها مجموعات ضغط للمحافظة على وتيرة النفقات العسكرية المتزايدة، وسبب تراجع التنافسية والريادة السياسية والتنموية والعلمية الأمريكية أمام مُنافسين عالميين، مثل: الصين برصانة وهدوء واستبصار سياستها الخارجية ومَيلها للحلول السياسية وعولمة التقدم والتنمية وتعدد القطبية الدولية وقِلة، أو انعدام، حروبها وتدخلاتها الخارجية. وأمام روسيا بانحيازاتها التنموية الاجتماعية بينما سياستها العسكرية وحروبها وتدخلاتها الخارجية محدودة ومنضبطة ودفاعية مقارنة بالمنهج الأحادي القسري للرئيس ترامب وسياسة تحقيق السلام بالقوة واستخدام القوة الصلبة في الشرق الأوسط وهي افتتان بالقوة العمياء التي تُغذيها نبوءات توراتية وليست قتالاً تحكمه قواعد رحمة وانسانية بل تَدمير كارثي لمجتمعات آمنة.
