«الفرجان»، مفردها «فريج»، ويعني الحي، أو الحارة في لهجة بعض أهالي الإمارات، وأصلها «فريق»، والحارة جمعها حارات، أما في المدن، فتسمى «فرجان»، وكانت المدن قديماًتنقسم إلى «فرجان»، تتجمع فيها مجموعة من الأسر التي ترتبط مع بعضها بعضاً، إما بالدم، وإما بالنسب، ولكن كيف تكونت هذه «الفرجان»، أو الأحياء في مجتمع الإمارات؟ ورد في بعض المصادر، أنها نشأت منذ تأسيس المدن، ونزوح الأهالي واستقرارهم فيها، حيث بدأت تتشكل تجمعات ارتبطت فيما بينها بعلاقات معينة، وتعارف أفرادها، وأدى ذلك إلى ظهور الفريج، أوالفريق، الذي يتكون من عدة أسر ينتمي معظمها إلى قبيلة واحدة.
ويذكر عبد الله علي الطابور، الباحث الإماراتي، أن «زمن الفريج، كان له سماته الخاصة، حيث ترابط أبناء الأسر، وتكاتفهم فيما بينهم، وتعاونهم، واندماجهم لدرجة لا تستطيع أن تفرق بين أفراد الفريج الواحد، وهذا أدى إلى نشوء علاقة اندماج بينهم، ساعدت على ظهور سمات هذه «الفرجان» التي تستطيع أن تفرق بينها من خلال المنطقة أو الحدود، التي يقع فيها الفريج، وكان زمن الفريج مختلفاً عن زمننا هذا، لأن الروح الاجتماعية وتلاصق المنازل بالجدران، أوجدت هذه الفرجان التي عاش فيها أهلنا على السراء أو الضراء، متعاونين ومتكاتفين، وكانت البيوت آنذاك بسيطة، وبناؤها ذا طابع معماري خلق روح الألفة بين الأسر، التي توحدت في داخل الفريج الواحد، وظهرت بينها العصبية للفريج، لدرجة أن كل واحد يعتز بأنه من فريج كذا، لكن هذه الروح أوجدت كلمات، أو ألفاظاً، وثقافة خاصة، متعارفاً عليها بين أفراد الفريج الواحد، قد لا تستطيع أن تميزها إلا إذا دققت في كلام الناس».
حب الجماعة
يعد العرب طوال تاريخهم الطويل، وحتى اليوم، من أكثر الأمم اندماجاً، وحباً لحياة الجماعة، وأكثر شغفاً بالجلوس، والسفر جماعات، ومواجهة التحديات بروح الجماعة أيضاً، وهذا السلوك الحضاري يتجسد في أشكال عدة، وقد ظل العرب يتوارثونه جيلاً بعد جيل، ولم يتعرض هذا السلوك إلى تغيير كبير، إلا في جوانب قليلة.
وبحسب كتاب «مدخل للتراث الشعبي في الإمارات»، من إصدارات مركز زايد للتراث والتاريخ، لمؤلفه عبدالله علي الطابور، مع آخرين، أنه من ضمن العادات الاجتماعية التي حافظ عليها العرب طويلاً، عادة الجلوس في حلقات للحديث عن شؤون الدين والدنيا، وقديماً كانت أمسيات الشتاء الباردة، تعقد فيها حلقات حول النار التي توقد لأغراض التدفئة، وتخفيف وطأة البرد القارس في جوف الصحراء، وخلقت الصحراء الواسعة حب الحياة، والحركة عند ساكنيها، ومع هذه الحرية والحركة في الصحراء، طور البدوي مجموعة من القيم، مثل: الكرم، والمروءة، والشجاعة، والإجارة، والنجدة.
وتعتبر الأسرة أصغر تنظيم اجتماعي ضمن القبيلة البدوية، وتتضح هذه الوحدة في أفضل صورها أثناء الرحلة الشتوية للقبائل الرحل، حيث تنفرد كل أسرة بمجموعة صغيرة من الخيام، هي خيمة الأب، وخيمة أبنائه وزوجاتهم، وتكون هذه المجموعة وحدة اقتصادية، واجبها رعي القطيع وسقايته، وتوفير الحماية له، والأسرة البدوية تمثل النموذج الأمثل للأسرة الأبوية، التي تكون فيها السيادة المطلقة للأب، وتحتل المرأة مكانة ثانوية، ولا تناقش في العادة سلطة الأب المطلقة من قبل أبنائه، كما لا تطمع المرأة في أن ترتقي في أهميتها الاجتماعية أو السياسية إلى مستوى الرجل.
المجالس الشعبية
ولما كانت الضيافة سمة من سمات مجتمع الإمارات بصفة عامة، في البادية والحضر، على حد سواء، والكرم عادة توارثها الآباء عن الأجداد، فقد حافظت المجالس على قيمتها منذ البعيد، كرمز لذلك الكرم وصورة من صور التواصل، والتكافل، والتعاضد الاجتماعي، وانتشرت المجالس الشعبية في كل البقاع الصحراوية، والزراعية، والريفية، والجبلية، والساحلية، وتكثر عادة التجمع في المجالس غالباً في ليالي رمضان، في حلقات الذكر، أو في حضور أحد العلماء، أو الحكام، وحين يأتي الربيع يبدأ الكثير بالالتجاء إلى معشوقتهم الأولى: الصحراء، ولا يلبث العربي ابن الإمارات، حين تبدأ نسمات الربيع، حتى يرتمي في أحضان الطبيعة، ويبدأ ممارسة عاداته العريقة، وقد كان للمدارس عموماً، دور إيجابي في حل الخلافات والمشكلات التي تنشأ في المجتمع، حيث يتحاكم المتنازعون أمام أحد كبار السن هناك، كما أن هناك مجالس لحل مشكلات معينة، ولهذا كان دور المجلس بارزاً في خدمة أبناء القبيلة، أو الفريق.
ولنساء الحي، والفريق أو الحارة، اجتماعات عند المناسبات، كالعرس، والعيد، على القهوة، فعند كل صباح، ومساء تأتي كل سيدة بما أعدته لهذه المناسبة، وفي أيام عيدي الأضحى والفطر، يجتمعن عند الغداء والريوق أربعة أيام متوالية.
رمز الكرم
أما القهوة العربية، فهي رمز الكرم في المجالس، وهي مشروب أساسي في حياة الأجداد والآباء، وذات قيمة استهلاكية، ومعنوية، ورمزية، عالية، بين كل الفئات والطبقات الاجتماعية، ويمكن الاكتفاء بإكرام الضيف بعدة فناجين من القهوة، ولكن من العيب أن يكرم الضيف بمائدة عامرة من دون قهوة، وقد جرت العادة في البادية خاصة، أنه إذا التجأ أحدهم إلى مجلس، أو بيت عندهم، وتناول رشفة من قهوتهم، فإنه بذلك يكون في حمايتهم، حتى ولو كان جانياً، ويبررون ذلك بقولهم «ما كان بيننا وبينك مشربة وفنجان قهوة»، وإذا تزوج أحدهم امرأة واكتشف أنها ناقصة الخبرة بشؤون التدبير المنزلي، وصفها بقوله «هذه ما تتعاشر حتى فنجان قهوة ما تعرف تسوي»، وكان الرجل إذا ما أراد أن يؤكد لصاحبه أنه صادق فيما يقول ويروي، يقول له: «إذا رأيت كلامي غير صادق رد عني فنجانك»، ورد الفنجان عن الرجل يعتبر إهانة له، خاصة في المجالس، كما أن البيت الذي يخلو من القهوة، يعتبر صاحبه شاذاً، أو قاصراً.
إبداع في البناء
ويذكر عبدالله حمدان بن دلموك، مدير «مركز حمدان بن محمد لإحياء التراث»، معتمداً على ذاكرته، وما سمعه من أجداده، وبحثه المستمر في مجال التراث، أن المواطن الإماراتي أبدع في بناء المسكن الخاص به في وقت كانت الإمارات أرضاً صحراوية قاحلة، حيث سخر الطبيعة وثرواتها ليبني الخيم والعريش، ويقي نفسه من حر الصيف، وبرد الشتاء، وبمعايير تتناسب مع ظروف الحياة الصحراوية القاسية، وأدخل العديد من التجديدات على طرق البناء مستفيداً من خبرات الشعوب الأخرى، واختلفت الأنماط المعمارية في الدولة حسب طبيعة البيئة التي تمثل ثلاثة أنماط، الأول اعتمد على أحجار البحر، والثاني على الطين، والثالث على الأحجار الجبلية، وتعتبر البيوت الطينية، مزارات تحكي تاريخ الإمارات عبر العصور المختلفة.
وكانت طبيعة البيوت قديماً عبارة عن «حجرة»، أو «بخار»، وقد تكون فيها غرفة للنوم، أو غرفة تخزين المواد، وأمامها «ليوان» مع المظلة، وبعدها بدؤوا بناء «حوش» وأكثر من حجرة.
وأهل البلاد هم الذين كانوا يبنون الخيم والعريش والبيوت الطينية، وبعدها بدأ الاعتماد على المتخصصين، وأبناء قبيلة «البناي» هم الذين كانوا مهتمين بتلك الحرفة.