يجمع متحف الفن الإسلامي في القاهرة، بين مختلف الفنون التي برع فيها الفنان العربي، بدءاً من مصر والشام وشمال إفريقيا، وليس انتهاء بالفنون التي برع فيها الفنان المسلم في الهند والصين، الأمر الذي يجعله بحق «مجمعاً للفنون» التي أبدعتها الحضارة الإسلامية على مدى نحو ألف وخمسمئة عام من الزمان. ويزيد عمر المتحف الإسلامي في القاهرة على مئة عام، إذ افتتح لأول مرة للجمهور في 28 ديسمبر من العام 1903، وكانت فكرة إنشاء المتحف قد ولدت في العام 1869، في عهد الخديوي توفيق، عندما قرر بناء دار تجمع مختلف التحف الإسلامية الموجودة في البلاد، وقد اختار الخديوي في ذلك الوقت الإيوان الشرقي لمسجد الحاكم بأمر الله ليكون مقراً لهذه الدار، قبل أن تشرع الحكومة المصرية في بناء المتحف الحالي في منطقة متميزة من شارع «الخليج المصري» بورسعيد حالياً، وأطلقت عليه اسم دار الآثار العربية والكتب السلطانية، وقد ظلت هذه التسمية لصيقة به قبل أن يتحول إلى «متحف الفن الإسلامي»، في بداية الخمسينات.
أدى الانفجار الذي تعرض له مبنى مديرية الأمن في القاهرة في يناير من العام 2014، إلى تحطم واجهة متحف الفن الإسلامي المقابل لمبنى مديرية الأمن، وتحطم زجاج واجهة مبنى دار الكتب والوثائق القومية بمنطقة باب الخلق، إلى جانب تدمير عدد كبير من محتويات المتحف، خاصة التراث المتعلق بفنون الزجاج والخزف، وتهشم العديد من المقتنيات ومن بينها المحراب الخشبي النادر للسيدة رقية الذي تحطم بالكامل.
ويتميز متحف الفن الإسلامي في مصر بتنوع مقتنياته التي تعكس ملامح مختلف الفنون الإسلامية في العديد من بلدان العالم، وتتراوح هذه المقتنيات ما بين الحفر على المعادن والأخشاب، وفنون النسيج المختلفة ناهيك عن عظمة البناء المعماري لمبنى المتحف الذي يضم بين جنباته ما يزيد على مئة ألف قطعة أثرية فضلاً على مئات المخطوطات النادرة في شتى المعارف الإنسانية.
ويضم متحف الفن الإسلامي مجموعات نادرة من الأختام والعملات الذهبية والفضية، من بينها أقدم دينار سُك في صدر الدولة الإسلامية، وهو دينار من الذهب يرجع تاريخه إلى العام 77 هجرية، ويصل عمره إلى نحو 1300 عام، كما يضم المتحف مجموعة نادرة من أدوات الفلك والهندسة والكيمياء، فضلاً على الأدوات الجراحية التي استخدمها الطبيب المسلم على مر العصور، إلى جانب أدوات قياس المسافات والزمن، ومن بينها ساعات رملية نادرة يزيد عمرها على ألف عام.
ويعد متحف المخطوطات أحد أبرز القاعات داخل متحف الفن الإسلامي، وهي تمتلئ بمئات من الكتب العلمية التي تعرض نصوصاً طبية أصلية، وترجمات يونانية قديمة وكتابات دوائية وأطروحات متعلقة بعلم الميكانيكا، وأطالس فلكية مصورة بشكل جيد، تعرض مواقع النجوم وحركة الأجرام السماوية، إلى جانب مئات من عقود الزواج والعقود التجارية القديمة المكتوبة على أوراق البردي، التي يعود بعضها إلى القرن الثامن حتى الحادي عشر الميلادي، فضلاً على بعض الوثائق الرسمية، ربما كان من أهمها وثيقة إعلان تنصيب المقتدر بالله خليفة للدولة العباسية ببغداد، في جمادى الأول عام 925 هجرياً الموافق 908 ميلادياً، وخريطة مصر من القرن الثامن عشر والتاسع عشر ميلادياً، إلى جانب مجموعات نادرة من المخطوطات الفارسية المصورة، بما في ذلك نسخة تعود إلى عام 1488 ميلادياً، لديوان «البستان» أو «أريج البستان» للشاعر «سعدي الشيرازي»، مكتوبة بخط حسن، بواسطة الخطاط سلطان علي مشهدي، وكلاهما من أهم فناني «حرات» في العهد التيموري.
وظلت مقتنيات متحف الفن الإسلامي حبيسة مخازن وزارة الثقافة المصرية قبل أن تشرع مؤخراً في عملية تطوير شاملة لمبنى المتحف، استغرقت ثمانية أعوام، وبلغت تكلفتها نحو 85 مليون جنيه، ليرتدي بعدها المتحف العريق حلة تليق به وبمقتنياته التي لا تقدر بثمن، حيث أضافت عمليات التطوير، مبنى جديداً للمتحف خصص للإدارة، فضلاً على 25 قاعة عرض جديدة، وقاعة كبرى للاجتماعات ومكتبة حديثة، واستراحة مخصصة لكبار الزوار.
ويمكن لزائر المتحف الإسلامي في وسط القاهرة اليوم أن يشاهد أبرز مقتنياته، وقد عرضت بأحدث تقنيات العرض المتحفي الحديث، بعد الانتهاء من عمليات ترميمه، وإزالة آثار التفجير، حيث يقسم المتحف تبعاً للعصور والعناصر الفنية والطرز، من الأموي والعباسي والأيوبي والمملوكي والعثماني، ويقسم أيضاً تبعاً للعناصر الفنية، فهناك قسم للمعادن، وآخر للعملات وثالث للأخشاب، ورابع للنسيج والسجاد، وخامس للزجاج.
ويحتفظ متحف الفن الإسلامي بين مقتنياته بمفتاح نادر للكعبة المشرفة مصنوع من النحاس المطلي بالذهب، وإبريق من البرونز الخالص كان يخص آخر خلفاء بني أمية «مروان بن محمد»، يعود تاريخ صنعه إلى العام 132 هجرية، حيث يعد هذا الإبريق من أهم مقتنيات المتحف، وكان قد عثر قبل عقود من الزمان بالقرب من مقبرة مروان بن محمد المتاخمة لحدود مدينة بني سويف، وتنافس أيقونة عليها صورة المسيح عليه السلام إبريق مروان في المتحف الإسلامي من حيث القيمة الأثرية، إلى جانب مجموعة نادرة من المشكاوات المصنوعة من الزجاج المموه، وعدد من القطع المصنوعة من الخزف المصري.
ويضم متحف الفنون الإسلامية بين مقتنياته مجموعات متنوعة من الصناعات الخشبية، بعضها يرجع إلى العصر الأموي، وبعضها الآخر يرجع تاريخه إلى العصر العباسي والعصر الطولوني، الذي يتميز بفنون الحفر المائل على الخشب، أو ما يعرف في أوساط المتخصصين ب«طرز سامراء المعمارية»، ومن أبرز مقتنيات المتحف في هذا المجال مجموعة من الأفاريز الخشبية ترجع إلى بدايات القرن الثامن عشر، وكانت تخص جامع عمرو بن العاص.
وخصصت إدارة المتحف بعد التطوير قسماً خاصاً للمصاحف النادر، وبعضها يرجع إلى العصرين المملوكي والأموي، ومعظم هذه المصاحف مكتوبة على رق الغزال، إلى جانب نسخ أخرى من المصحف الشريف مخطوطة ومزخرفة بماء الذهب، كما خصصت الإدارة قاعة خاصة للأختام وأدوات قياس الأوزان، التي ظهرت مع بداية العصر الأموي، فضلاً على مجموعة من النياشين والأنواط والقلائد التي ترجع إلى عصر أسرة محمد علي.
معمار فريد
يتميز متحف الفن الإسلامي بمعماره الفريد المميز بزخارفه التي تجمع بين فنون العمارة الإسلامية في عصور مختلفة، وهو يتكون من طابقين، الأول يضم قاعات العرض، فيما خصص الثاني كقسم خاص لترميم الآثار.
وعلى مدى سنوات بعيدة زود المتحف بعدد كبير من المقتنيات من بينها مجموعة ضخمة من المشغولات الذهبية والفضية، وأعمال النسيج والسجاد، تبرع بها أبناء الأسرة العلوية، وهو الأمر الذي ساهم كثيراً في أن يوضع هذا المتحف في مكانه اللائق به بين كبرى المتاحف العالمية.