لقد فتح الله بخالد بن الوليد البلدان وعمّر جميع الأوطان ونشر الإسلام والإيمان في كل الأركان، إنه بطل لا يُجارى وقائد لا يبارى في الخطط والشجاعة، كانت معاركه أغرب من الخيال وانتصاراته لا تخطر على البال وذكره أمام الأعداء كان يجعل قلوبهم تطير من الفزع وتكاد تخرج من الأبدان.
يقول عنه ابن الأثير في كتابه «أسد الغابة»: «خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم أبوسليمان وقيل: أبو الوليد القرشي المخزومي، أمه لبابة الصغرى، وقيل: الكبرى، والأول أصح، وهي بنت الحارث بن حزن الهلالية، وهي أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأخت لبابة الكبرى زوج العباس بن عبدالمطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن خالة أولاد العباس الذين من لبابة».
النبي يصف المعركة
ولما أراد الإسلام قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وعمرو بن العاص، وعثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري، فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «رمتكم مكة بأفلاذ كبدها».
وها هو خالد يفوز بدعوة النبي فيما رواه النسائي وأحمد وابن سعد في طبقاته: عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فأمر المنادي أن ينادي: الصلاة جامعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثاب خبر ، ثاب خبر، ثاب خبر ألا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي، إنهم انطلقوا حتى إذا لقوا العدو، لكن زيدا أصيب شهيداً، فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء جعفر فشد على القوم ، فقتل شهيداً أنا أشهد له بالشهادة ، فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء عبدالله بن رواحة، فأثبت قدميه حتى أصيب شهيداً، فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الأمراء»، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم ضبعيه وقال: «اللهم هذا سيف من سيوفك، فانتصر به»، فيومئذ سمي خالد سيفالله.
خالد وجرجة
ويقف خالد في مشهد من المشاهد العظيمة في موقعة اليرموك حيث كان إسلام قائد الروم على يديه واسمه جرجة. يقول الطبري في كتابه «تاريخ الأمم والرسل والملوك» حاكياً هذا المشهد: «وخرج جرجة حتكان بين الصفين» ونادى: ليخرج إلي خالد فخرج إليه خالد وأقام أبا عبيدة مكانه فوافقه بين الصفين حتى اختلفت أعناق دابتيهما وقد أمن أحدهما صاحبه فقال جرجة: يا خالد أصدقني ولا تكذبني فإن الحر لا يكذب ولا تخادعني فإن الكريم لا يخادع المسترسل بالله هل أنزل الله على نبيكم سيفاً من السماء فأعطاكه فلا تسله على قوم إلا هزمتهم؟ قال: لا قال: فبم سميت سيف الله؟ قال: إن الله عز و جل بعث فينا نبيه صلى الله عليه وسلم فدعانا فنفرنا عنه ونأينا عنه جميعاً ثم إن بعضنا صدقه وتابعه وبعضنا باعده وكذبه فكنت فيمن كذبه وباعده وقاتله ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به فتابعناه فقال أنت سيف من سيوف الله سله الله على المشركين ودعا لي بالنصر فسميت سيف الله بذلك فأنا من أشد المسلمين على المشركين قال: صدقتني ثم أعاد عليه جرجة يا خالد أخبرني إلام تدعوني قال: الشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله والإقرار بما جاء به من عند الله قال: فمن لم يجبكم، قال فالجزية ونمنعهم، قال فإن لم يعطها، قال نؤذنه بحرب ثم نقاتله، قال: فما منزلة الذي يدخل فيكم ويجيبكم إلى هذا الأمر اليوم، قال منزلتنا واحدة فيما افترض الله علينا شريفنا ووضيعنا وأولنا وآخرنا، ثم أعاد عليه جرجة هل لمن دخل فيكم اليوم يا خالد مثل ما لكم من الأجر والذخر، قال نعم وأفضل، قال وكيف يساويكم وقد سبقتموه، قال إنا دخلنا في هذا الأمر وبايعنا نبينا صلى الله عليه وسلم وهو حي بين أظهرنا تأتيه أخبار السماء ويخبرنا بالكتب ويرينا الآيات وحق لمن رأى ما رأينا وسمع ما سمعنا أن يسلم ويبايع وإنكم أنتم لم تروا ما رأينا ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج فمن دخل في هذا الأمر منكم بحقيقة ونية كان أفضل منا، قال جرجة: «بالله لقد صدقتني ولم تخادعني ولم تألفني» قال: «بالله لقد صدقتك وما بي إليك ولا إلى أحد منكم وحشة وإن الله لولي ما سألت عنه، فقال صدقتني وقلب الترس ومال مع خالد وقال: علمني الإسلام».
وظل خالد بن الوليد يدافع عن الإسلام قائداً وجندياً حتى أسلم نفسه إلى بارئها فرحم الله خالد بن الوليد ورضي عنه وعن الصحابة أجمعين.