إعداد: محمد هاني عطوي

يكتشف علماء المستحاثات الحيوانية بين الحين والآخر أمورًا تتعلق بكائنات ما قبل التاريخ، تجعلهم يعودون في بعض الأحيان إلى نقطة الصفر في وضع نظرياتهم، فها هم اليوم يكتشفون أن ديناصور «الليموسوروس» فقد أسنانه كلها عندما بلغ مرحلة البلوغ، وهذا الاختفاء يبدو غريبًا، لكنه ربما يساعدنا على فهم الكيفية التي جعلت الديناصورات تتطور إلى الطيور.
هذا الاكتشاف المذهل وقع في شينجيانغ شمال غربي الصين، حيث تمكن علماء الحفريات من إخراج 17 هيكلًا عظميًا لنوع واحد من الديناصورات هو الليموسوروس.
المدهش أنه تم العثور على جميع هذه الحفريات في مكان واحد!ويبدو أن هذه العينات السبع عشرة لليموسوروس نفقت معًا بعد أن تعرضت للغرق في طبعات أقدام ديناصور عملاق! لا، هذه ليست مزحة، فالليموسوروس الذي كان يعيش قبل 160 مليون سنة لم يكن كبيرًا جدًا، بل كان طوله يافعًا لا يزيد على 1.70 متر من طرف منقاره إلى طرف ذيله، أما الحيوان الذي تسبب في نفوق هذا الديناصور الصغير فهو «مامونتشيسورس» العملاق الذي بلغ طوله 25 مترًا وكان يزن 20 طنًا كحد أدنى، ولنا بالطبع أن نتخيل أبعاد طبعات أقدامه في الوحل، فلا عجب أن ديناصورات صغيرة وحتى كبيرة نوعًا ما نفقت في هذه الطبعات العملاقة!
ويرى المتخصصون أن هذا الاكتشاف ضربة حظ غير متوقعة لأن «الليموسوروس» هو ابن عم لأسلاف الطيور التي كما يعلم الجميع كانت ديناصورات، وقد سمحت دراسة أحفورتين لديناصورين بالغين من الليموسوروس منذ سنوات على فهم الكيفية التي جعلت قوائم الديناصورات تتحول تدريجيًا إلى أجنحة، ولذلك كان الباحثون يتوقعون كثيرًا النتائج المهمة لهذه الأحفوريات الإضافية، ويبدو أن آمالهم لم تخب، فمع هذه السلسلة الاستثنائية من الهياكل العظمية، بدءًا من الولادة حتى سن البلوغ، تمكن هؤلاء لأول مرة من دراسة وفهم نمو الديناصور طوال حياته.
وبعد دراسة متأنية لفم الحيوان، ظهرت لهم مفاجأة جميلة، فقد تبين أن الليموسوروس كان يفقد أسنانه كلما نما وكبر!ففي البداية كان علماء الحفريات يعتقدون أنهم يتعاملون مع نوعين مختلفين طالما أن فم الحيوانات كان مختلفًا بين الصغار والبالغين، فالصغار لديها أسنان حادة صغيرة في حين أنه يصبح لليموسوروس من سن ثلاث سنوات منقار بلا أسنان مثل الدجاج، ولنا أن نتخيل دهشة الخبراء في هذا الاكتشاف إذ كيف يمكننا أن نفترض أن جميع أسنان الديناصور يمكن أن تتساقط مع مرور الوقت، علمًا أننا لا نعرف أيًا من الزواحف الحالية التي يحدث لها هذا الأمر؟

تغيير جذري
كان على الباحثين مواجهة الحقائق، وهنا ظهرت أهمية الجمع الاستثنائي للحفريات ومدى فائدتها، فمن خلال دراسة الهياكل العظمية الشابة منها، استطاع علماء الحفريات متابعة تطور هذه الظاهرة، وعلى عكس الحيوانات الكبيرة منها تبين أن «الليموسوروس» الشابة كانت لا تزال تمتلك أسنانًا، لكن عددها كان ينخفض أكثر بشكل ملحوظ فقد كان عددها لا يزيد على 34 سنًا مقابل 42 للصغيرة منها، ولكن الأمر الذي كان مثيرًا للاهتمام هو أن هذا التساقط للأسنان كان يحدث بشكل تدريجي، وكل نوع من أنواع الأسنان كان يسقط دائمًا في الفترة نفسها خلال مرحلة النمو، وهذا يعني أن هذه الديناصورات كانت تفقد أسنانها ليس لأنها سيئة أو مكسورة، ولكن بسبب وجود آلية طبيعية..هذا الفقدان الإجمالي للأسنان الذي يسمى Edentulism (انعدام الأسنان الكلي)، يشير إلى حدوث تغيير جذري للنظام الغذائي بين مرحلتي الطفولة والبلوغ، وهذه الفرضية المدهشة كانت بحاجة للإثبات..كيف؟ الواقع أنه من خلال تحليل مكونات عظام الديناصورات، يمكن للعلماء معرفة ما الذي تأكله، فذرات الكربون التي توجد في عظامها ليست كلها متطابقة، فبعضها أثقل من غيره، والحقيقة أن ثقل هذه الذرات، الذي يأتي من الطعام غير المهضوم هو الذي يخبرنا عن مصدرها، فمن خلال تحليل النسب فيما بينها من خلال جهاز يسمى «مطياف الكتلة»، يمكن للعلماء معرفة ما إذا كان الديناصور يأكل نباتات أو حيوانات أخرى.

حديث العظام
يقول الباحث الفرنسي رومان أميوت الذي نفذ هذه التحليلات: «الواقع أننا نقتطع عينة من العظام بحجم دبوس، ونحولها إلى مسحوق يتم تحليله بمطياف الكتلة، وتتم مقارنة النتائج مع تلك المتعلقة بالحيوانات التي تعيش اليوم سواء منها الحيوانات العاشبة أم اللاحمة، وفي حالة «الليموسوروس» وجدنا أن عظام الصغيرة منها لها تركيبة مشابهة للحيوانات العاشبة، وهذا أمر طبيعي لأن هيكلها العظمي تشكل في البيضة التي نمت داخل الأم وهي بالغة عاشبة، ومع تزايد النمو، وتختلف النتائج، ما يدل على تغير في النظام الغذائي إلى كلي (عشبي ولحمي) أو آكلة اللحوم للأفراد الشابة منها، من ناحية أخرى يصبح الغذاء عشبيًا في مرحلة البلوغ. ويرى رومان أميوت أن الفائدة من عدم أكل البالغين الطعام نفسه واضح في التحليل،لأن ذلك يمنع المنافسة، فالحيوانات الشابة تأكل الحيوانات في حين أن البالغة منها تستهلك النباتات فقط، فاحتياجات الأسنان تختلف حسب العمر لأن الحيوانات الشابة عادة ما تحتاج إلى المزيد من الطاقة لتنمو، وتكبر أحجامها بسرعة، وبالتالي تزداد فرص بقائها على قيد الحياة، ويمكن للمرء أن يتصور أن حفاظها على الأسنان سمح لها بالاستفادة من الحشرات التي تحتوي على طاقة غذائية أكبر من الطاقة التي توفرها النباتات.
حجارة في المعدة!
من جهة أخرى وجد علماء الحفريات أيضًا مزيدًا من الأدلة على تغير النظام الغذائي لليموسوروس، فمن خلال بحثهم بعناية فائقة في أحافير الحيوانات البالغة منها والصغيرة التي تزيد أعمارها على سنة في المنطقة التي كان من المفترض أن تكون فيها المعدة، لاحظ الباحثون وجود عدد من الحجارة الصغيرة( gastroliths ) التي كان يتم بلعها مع النباتات، التي كانت تسمح بطحن الطعام مباشرة في المعدة. الطيور الحالية تفعل بالضبط الشيء نفسه مع الحصى المخزنة في أحشائها، لكن في أحافير الليموسوروس لا ترى الحجارة الصغيرة إلا لدى الحيوانات البالغة منها، وليس الشابة وهذا ما يؤكد أن هذه الزواحف أصبحت حيوانات عاشبة في وقت متأخر.
يقول شو وانغ عالم الحفريات الصيني الذي قاد فريق البحث:هذا الاكتشاف مهم جدًا فهو يوضح لنا مسار تطور الديناصورات إلى طيور على الرغم من أن الليموسوروس ليس الجد المباشر للطيور الحالية، ويؤكد إريك بيفتو المتخصص في علم المتحجرات الفقارية أن تحول الديناصورات الصغيرة إلى طيور حديثة لم يتبع خطًا مستقيمًا بل كان هناك تعايش بين الطيور التي كانت تمتلك في الوقت نفسه خصائص مختلفة جدًا، فبعضها كان لا يزال لديه أسنان، في حين أن أخرى منها كانت قد فقدتها، أما البعض الآخر منها فقد كان مزودًا بذيل طويل، بينما كان غيرها ذا ذيل قصير...» وباختصار، فإن كل ما يعرف بالطيور لم يظهر دفعة واحدة من سلالة فقط، بل حدث عدد من «التجارب» قبل ولادة الكائنات التي غزت السماء.