في المدرسة كانت المرة الأولى التي شرعنا نعبث فيها بعلم المثلثات، عندما استعملنا للمرة الأولى أيضاً حواسيب علمية كي نحدد جيباً وجيب تمام وظل الزوايا. وربما يكون الأكثر دقة أن يقول بعضنا إن هذه الوظائف والتوابع الغريبة كانت مصدر افتتان وبهجة، إذ إنها تمثّل أول مواجهة حقيقية لرياضيات غير عادية.
انتشر علم المثلثات غالباً بسبب المشكلات التي تتعلق بالمثلثات التي غدت تكرارية ورتيبة على نحو سريع، ومن ثم فالطلاب لا يدركون الصلة الحاسمة والأهمية الكبيرة لهذا العلم وهم يحلّون المزيد من المسائل الممتعة والمعقدة في الفلك، وفي رسم الخرائط والملاحة، والآن عندما نحدد ونحن سعداء زاوية غير معروفة وأضلاع المثلث بالاعتماد على الآلة الحاسبة اعتماداً تاماً، فإننا لا نكف عن السؤال الذي يقول: كيف يمكن أن تعرف جيب زاوية معينة من دون هذه الآلة، وبالاعتماد على القلم والورقة والعبقرية البشرية وحدها.
تكمن ولادة علم المثلثات ضمن علم الفلك الذي يعد واحداً من العلوم التي درسها المسلمون باهتمام بالغ، لصلته بتحديد أوقات الصلاة والشعائر الدينية، ولكن علماء الفلك الإغريق كانوا قبل المسلمين يحسبون أضلاع مثلث ما وزواياه المجهولة بافتراض معرفة قيمة الأضلاع والزوايا الأخرى، وذلك من أجل معرفة حركة الشمس والقمر والكواكب الخمسة المعروفة حينذاك.
اهتم الإغريق بالمسائل التي تدل على مواقع الشمس والقمر والكواكب، فألّفوا جداول ووضعوا قوانين مكنتهم من التعامل مع المسائل الهندسية، وأدق من عالج هذا الموضوع بطليموس في كتابه «المجسطي» (Almagest)، كان فلكياً عمل في الإسكندرية مطلع القرن الثاني للميلاد، وترجم كتابه إلى العربية مرتين، وكتبت عليه شروح وانتقادات لا حد لها، ورغم مكانته الكبرى لدى العلماء المسلمين كما يدل على ذلك العنوان الذي عرف به الكتاب في العالم الإسلامي وهو «المجسطي» أي الأعظم (The Greatest).
اعتمد الفلكيون الأقدمون لحل مسائل علم المثلثات المستوية كلها على جدول موحد في المجسطي، اسمه «جدول الأوتار في الدائرة»، أما الأقواس التي تحصر الزوايا بزيادات من نصف درجة حتى ١٨٠ درجة، فإن الجدول يفيد في إعطائها أطوال الأوتار المقابلة لها في دائرة نصف قطرها ستون وحدة.
يشرح الطوسي من علماء القرن الثالث عشر في كتابه «شكل القطاع» كيف استخدمت قائمة أطوال الأوتار هذه لحل المسائل المتعلقة بالمثلثات قائمة الزاوية، أبدى الطوسي ملاحظة حاسمة وطّدت الرابطة بين المثلثات وأقواس الدوائر، كل مثلث يمكن أن يحصر بدائرة، ولذلك فإنه ينظر إلى أضلاعه بوصفها أوتاراً تقابل أقواساً مقابلة لزوايا المثلث.
لكن عيبين ظهرا في الاعتماد على هذه الجداول، العيب الأول أن جل التحولات التي يمكن أن تنشأ عند حل أطوال مجهولة أو زوايا مثلث قائمة الزاوية تتطلب معالجات كثيرة للجداول وخطوات وسيطة متعددة، هذا مناقض لاستخدام الدلالات المثلثاتية المألوفة الست، وهي الجيب والتجيب (جيب التمام) والزوايا المتبادلة وقاطع الزاوية وقاطع تمام الزاوية والظل وظل التمام المميزة للتقنيات الحديثة التي ابتكرها ورتبها بطريقة منظمة أول مرة علماء الرياضيات المسلمون، والعيب الثاني لجداول أطوال أوتار الدائرة أنه لا بد من مضاعفة الزوايا في غالب الأحيان لحساب طول قوس ما.
والواقع أن سلسلة من العلماء المسلمين كانوا أرسوا قواعد علم المثلثات قبل القرن العاشر، ممهدين بذلك الطريق للطوسي كي يجمع إسهاماتهم وينظّمها ويفصل فيها، ومن أبرز هؤلاء الأعلام وأكثرهم تأثيراً، البتاني المولود في حران شمال شرقي سوريا اليوم والمتوفى في سامراء بالعراق ٩٢٩م، ويعد واحداً من أعظم علماء الفلك والرياضيات المسلمين، ومما حفزه على ريادة دراسة علم المثلثات مراقبته حركات الكواكب، ويمكنك قراءة المزيد منه في قسم «علم الفلك» من فصل «الكون».
وكان البتاني أول من استخدم مصطلحي «جيب» و«جيب التمام» معرّفاً إياهما بوصفهما أطوالاً بدلاً من نسب، كما نعرفهما اليوم، أما الظل فقد أشار إليه البتاني بعبارة «الظل الممدود» أي ظل قضيب أفقي وهمي مركب على جدار وفي القرن الحادي عشر عرف البيروني الدالات (التوابع) المثلثاتية للظل وظل التمام التي وردها عن الهنود بصورة تجريبية.
من الجدير بالذكر أن كلمة «جيب الزاوية» العربية، وهي نسبة الضلع المقابل للزاوية القائمة مقسوماً على وتر المثلث قائم الزاوية تعني بالعربية أيضاً فجوة أو تجويفاً أو جيباً بالمعنى التشريحي.
ووجد هذا المصطلح طريقه إلى اللاتينية (Sinus) والإنجليزية (Sine).
وكان الخوارزمي المولود عام ٧٨٠ م، طوّر الجيب وجيب التمام والجداول المثلثاتية والتي ترجمت فيما بعد إلى اللغات الأوروبية. أما العالم الفذ البيروني المولود عام ٩٧٣م، فكان من بين أولئك الذين أرسوا أسس علم المثلثات الحديث.