الوسواس القهري مرض عصابي يظهر على هيئة أفكار تسلطية ومخاوف واندفاعات تضطرك لتكرارها باستمرار، وإن لم تتماش مع الفكرة ولم تقم بتكرارها، فإن ذلك يشعرك بالتوتر الذي لا يزول إلا بتكرار الفعل مرة تلو الأخرى، حتى يصبح سلوكاً قهرياً خارجاً عن الاعتدال، مع علمك علم اليقين أن هذه المخاوف والأفكار غير صحيحة وأنك مقتنع بتفاهتها، وهو ما يوصلك لحالة من الشعور بالذنب والإنهاك، يمكن أن يصل الأمر بك إلى الاكتئاب، ويرتبط الوسواس القهري بالاضطرابات المتصلة بالقلق، وتتميز بأفكار ومخاوف غير منطقية (وسواسية)، تؤدي إلى تصرفات قهرية، والأشخاص المصابون بالوسواس القهري يكونون أحياناً واعين لحقيقة أن تصرفاتهم الوسواسية غير منطقية، ويحاولون تجاهلها أو تغييرها، لكن هذه المحاولات تزيد من احتدام الضائقة والقلق أكثر، وفي المحصلة فإن التصرفات القهرية بالنسبة إليهم إلزامية، وذلك للتخفيف من الضائقة التي يشعرون بها، ومن الممكن أن يتمحور اضطراب الوسواس القهري في موضوع معين، كالخوف من عدوى الجراثيم، مثلاً، وعلى الرغم من المحاولات والجهود المبذولة للتخلي عن هذه السلوكيات، إلا أن الأفكار المزعجة الوسواسية والقهرية تتكرر وتتواصل وتسبب الضيق والانزعاج، ومن الجائز أن يؤدي الأمر إلى تصرفات تأخذ طابع المراسم والطقوس، تمثل حلقة قاسية ومؤلمة تميز اضطراب الوسواس القهري، ويمر مريض الوسواس القهري بـ 3 مراحل رئيسية الأولى: الأفكار التي تجعله قلقاً وهي الوساوس، والثانية: القلق الذي يشعر به وهي المشاعر، والثالثة: الأشياء التي يقوم بها من أجل خفض القلق وهي الأفعال القهرية.
ضعف الاتصال
لا يوجد سبب معين أو رئيسي لمرض الوسواس القهري، إلا أن كثيراً من الأبحاث أشارت إلى أن مشكلات المرض تكمن في عملية الاتصال التي تتم بين الجزء الأمامي من المخ المسؤول عن الشعور بالإحساس بالخوف، والرعب الشديد والخطر، وبين معظم التركيبات في الدماغ التي تكون أكثر عمقاً وتفصيلاً في المخ، ويعتقد معظم العلماء والأطباء أن مرض الوسواس القهري مرتبط أصلاً بنقص في عنصر وكمية مادة «السيروتونين» بشكل رئيسي، حيث أظهرت المقارنة بين صور أدمغة أشخاص مصابين باضطراب الوسواس القهري، وأدمغة آخرين غير مصابين بالمرض فرقاً في نمط عمل الدماغ في كلا الحالتين، وعلاوة على ذلك تبين أن أعراض اضطراب الوسواس القهري تتقلص وتخف حدتها لدى الأشخاص المصابين والذين يتعاطون أدوية ترفع من فاعلية السيروتونين، حيث تساعد هذه الأدوية على تحسن كبير في حالة المصاب، وهناك أدلة على أن اضطراب الوسواس القهري من الممكن أن يكون مرتبطاً بعوامل جينية وراثية معينة، لكن لم يتم تحديد وتشخيص الجينات المسؤولة عن اضطراب الوسواس القهري، وعامة فإن الجين المسبب للوسواس القهري يشكل نسبة ضعيفة جداً، ويعتقد بعض الباحثين أن اضطراب الوسواس القهري ينتج عن عادات وتصرفات مكتسبة مع الوقت، أيضاً هناك أبحاث تدعي بأن اضطراب الوسواس القهري تطور لدى أطفال معينين عقب الإصابة بالتهاب الحنجرة أو الحلق، والناجم عن الجراثيم العقدية في الحنجرة، لكن الآراء انقسمت حول مصداقية هذه الأبحاث، ومن الواجب تدعيمها بالمزيد من الدلائل حتى يتم الإقرار بأن الجرثومة العقدية في الحنجرة يمكن أن تسبب فعلاً اضطراب الوسواس القهري، أيضاً هناك أسباب عاطفية كالخروج من صدمة عنيفة خاصة عند الأشخاص الذين لديهم قابلية الإصابة بالمرض.
تطور المرض
اضطرابات الوسواس القهري لها عدة صور، والأعراض المهمة تظهر على شكل مراجعة وتدقيق متكرر وقهري، كالغسيل والتنظيف المتكرر، وطقوس المحافظة على النظام والترتيب، وبعض الناس يعانون فقط الأفكار الوسواسية ولكن بدون أفعال قهرية، وهناك تفاوت كبير في بداية المرض، فبعض المرضى يعانون عرضاً واحداً طوال حياتهم، وبعضهم يعاني وساوس قهرية متعددة، والبعض الآخر يتحول من عرض إلى آخر، فيتوقف هذا ويزيد هذا أو يظهر عرض جديد، ومن الممكن أن تظهر في المراهقة وساوس وأفكار دخيلة ومتطفلة، ثم يطغى عليها كثرة الاغتسال وغسيل اليد المتكرر في البلوغ، وتتحول إلى التدقيق والمراجعة المتكررة عند التقدم في العمر، مع العلم أنه لا يكفي عرض واحد أو أكثر لتشخيص المرض لدى شخص ما، بل الأهم هو أثر تلك الأعراض في حياة الفرد الاجتماعية والأكاديمية والمهنية، ومدى المعاناة التي يعانيها المريض، وهل تسبب له الضيق والقلق؟ أو هي مضيعة للوقت؟ هنا فقط يسهل على الطبيب التشخيص، وتشمل أعراض الوسواس القهري 3 مسارات، الأول الوساوس، وفيه تتشكل الأفكار التي تكون في صورة كلمات مفردة أو عبارات قصيرة، وهذه الأفكار بطبيعتها بغيضة أو صادمة من الممكن ألا تحاول التفكير فيها، لكنك لا تستطيع التخلص منها، فتراودك مثلاً فكرة إيذاء أولادك، ثم تأتي الصور العقلية التي تمر فى خيالك ولا تستطيع منعها، كأن ترى أسرتك قتلى أو رؤية نفسك تطعن شخصاً ما، ونحن نعلم أن المصابين بالوسواس القهري لا يقومون بتنفيذ هذه الأفكار ولا يتحولون للعنف، ثم مرحلة الشكوك، وفيها تتساءل لساعات ما إذا كنت تسببت في وقوع حادث أو سوء لشخص ما، يلي ذلك الاجترار فتحاور نفسك بلا توقف حول اتخاذ أي قرار، خصوصاً إذا كان هنالك عدة اختيارات حتى لا يمكنك اتخاذ أبسط القرارات، وأخيراً الكمالية حيث يزعجك بدرجة كبيرة إذا لم تكن الأشياء مرتبة بطريقة معينة أو في غير مكانها الصحيح، مثلاً إذا كانت الكتب ليست مرصوصة على الرف بانتظام.
رد فعل
المسار الثاني وهو المشاعر، فينتابك شعور بالقلق أو التوتر والخوف أو الذنب أو القرف أو الاكتئاب، كرد فعل لأعراض المرض وتشعر بحالة تحسن إذا نفذت السلوك القهري أو الطقوس، لكنها لا تستمر طويلاً، والمسار الثالث وهو الأعمال القهرية، وتشمل تكرار الفحص حيث تتأكد من الأشياء مرات ومرات مثل التأكد من إغلاق الأبواب، ثم حالة الكمالية، والتي تعني ترتيب الأشياء بشكل غاية في التنظيم والدقة، ثم الطقوس حيث تكرار القيام بشيء ما عدداً معيناً من المرات كأن تكرر عدد مرات غسل اليد أو تنظيف الأسنان، ويمكن أن يستغرق هذا وقتاً كثيراً، حتى إنك تحتاج دهراً للذهاب إلى أي مكان، ثم يأتي تجنب الأشياء أو الأماكن التي ترتبط بالوساوس، كأن تتجنب لمس أشياء معينة أو الذهاب لأماكن معينة كالمرحاض العمومي، ثم تصحيح الأفكار الوسواسية، حيث تفكر في بديل لتحييد الأفكار الوسواسية مثل العد، أو الصلاة أو تكرر كلمة عدة مرات، كما يمكن أن تكون هذه طريقة للتخلص من أي أفكار وسواسية أو صور مزعجه تضايقك، وأخيراً البحث عن الطمأنينة، فتطلب من الآخرين مرة بعد أخرى أن يطمئنوك ويخبروك أن كل شيء على ما يرام.
نفسي ودوائي
علاج الوسواس القهري عملية معقدة وغير مضمونة النجاح في جميع الحالات، حيث تكون هناك حاجة إلى علاج متواصل يستمر مدى الحياة في بعض الأحيان، ومع ذلك يمكن أن يكون علاج الوسواس القهري مفيداً في مساعدة المريض على التعامل مع الأعراض، ومواجهتها ومنعها من السيطرة على مجريات حياته، ويشتمل العلاج على نوعين، نفسي ودوائي، ويختلف العلاج الأفضل تبعاً للمريض نفسه، وغالباً ما يكون الدمج بين العلاج النفسي والعلاج الدوائي ناجعاً، والعلاج السلوكي النفسي يعتبر هو الأكثر فاعلية وتأثيراً، ويتخذ طريقة التعرض والمنع، وهي تكون بالتعرض للشيء المسبب للخوف أو القلق ثم معالجة المصاب، بمنع استجابته للفكرة بشكل متكرر، وعلى سبيل المثال الأشخاص الذين يخافون من إهدار الوقت في الأماكن المتوقع كثرة وجود الجراثيم فيها (التعرض)، يعالجون بمنع أنفسهم من الاستجابة لفكرة إعادة غسل الأيدي بشكل متكرر (المنع)، وهناك أدوية تساعد على السيطرة على الوساوس والسلوكيات القهرية التي تميز اضطراب الوسواس القهري، وغالباً ما يبدأ علاج الوسواس القهري بمضادات الاكتئاب حتى إذا كنت لست مكتئباً، فالأدوية المضادة للاكتئاب من الممكن أن تفيد في علاج الوسواس القهري، لأنها تعمل على رفع نسبة السيروتونين التي تكون منخفضة لدى من يعانون اضطراب الوسواس القهري، ويحتاج المريض عادة إلى جرعات عالية ليكون العلاج فعالاً.
سنوات الإصابة
يعاني تقريباً شخص من بين كل 50 مرض الوسواس القهري، وذلك في مرحلة ما من مراحل حياتهم، سواء كان رجلاً أو امرأة، فهو يصيب الجنسين على السواء، وعادة ما يبدأ اضطراب الوسواس القهري في كثير من الأحيان في سن مبكرة، مثلاً في مرحلة الطفولة أو المراهقة، وبصورةٍ أكثر دقة في سن العاشرة تقريبًا، أما بين البالغين فيظهر اضطراب الوسواس القهري عامة في سن الـ 21 عاماً على الأرجح، ونسبة المرضى الذين تم علاجهم بواسطة العقاقير الطبية، واختفت كل الأعراض لديهم تماماً من دون علاج نفسي لا تتعدى الـ 20%.