مدحت صفوت

مثّل عام 1969 بحوادثه منعطفاً في تاريخ ألمانيا الحديث، وهو العام الذي احتفلت فيه ألمانيا الشرقية بمرور عشرين عاماً على تأسيسها، كما مثّل 1989 عام سقوط جدار برلين مقدمة نهاية لمرحلة عرفت ب«الحرب الباردة»، وانتهاء المعسكر الاشتراكي، وهو ما دفع العديد من كتاب الرواية إلى الاشتغال سردياً على تلك الحقبة من القرن العشرين.

تعددت الروايات عن الأوضاع داخل ألمانيا الشرقية، ودار أغلبها عن معاناة الألمان بعد بناء سور برلين كجدار عازل بين شطري العاصمة الألمانية، وتأتي على رأس قائمة الكتابات «البرج» لأوفيه تلكامب، و«الخلاص» لكاترين أسكان، و«الأبطال» لتوماس بروسيج، و«برلين 69» للكاتب المصري صنع الله إبراهيم.

تتشابه رواية «برلين 69» مع كتابات الكاتب الألماني توماس بروسيج بخاصة مع رواية «في الجزء الأصغر من شارع الشمس»، والتي ترجمتها هبة شريف إلى العربية 2003، وهي بالأصل تعتمد على سيناريو فيلم أنتجه ليندر هاوسمان، وتحكي عن مجموعة من الشباب يعملون على تذليل العقبات في برلين الشرقية وقت الحكم الاشتراكي، ويعيشون في منطقة حدودية من شرق المدينة، وتحديداً في الجزء الأصغر من شارع الشمس، ويمرون بمغامرات تهريب أسطوانات الموسيقى للفريق البريطاني الشهير «الرولينج ستونز»، والذي تشكل في الستينات، وبلغت شهرته البيتلز، وهو أمر يعد غير مقبول بالجمهورية الاشتراكية.

تهتم رواية صنع الله إبراهيم، الصادرة في 2014، بتفاصيل الحياة الشخصية والعامة للشخوص التي تسكن عاصمة ألمانيا الديمقراطية، كما تشبع كتابات صنع الله بشكل عام غريزة «التلصص» لدى القارئ، والربط بين حياة الشخوص والمؤلف، خاصة وأن صنع الله نفسه عاش من قبل 3 سنوات في ألمانيا، الأمر الذي اضطر المؤلف إلى نفيه تماماً.
الاتفاق بين الكاتبين وروايتهما يمتد إلى آلية التصوير، حيث اعتمد الساردان على تصوير الجمهورية الديمقراطية بأسلوب نقدي كاريكاتوري، فالشيوعي القديم وعضو التنظيمات اليسارية وناقد الإمبريالية الدائم، يوجه سهام النقد اللاذع إلى تقاليد المدينة الاشتراكية، وما تفرضه من قيود اجتماعية وفكرية وثقافية على أفراد الشعب، إلى جانب العزلة الثقافية التي تفرضها العداءات بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي خلال الحرب الباردة.
والسخرية بهذه الكيفية، من وجهة نقاد ما وراء القص، والتي عملت على كتاباتهم الناقدة أماني أبو رحمة ترجمة وتطويراً وتطبيقاً، تُعرف ب«الباستيشية» Pastiche، وهي وسيلة للتعاطي مع الماضي لإجلاله أو للسخرية منه، وهي تمثيل لمجتمع ما بعد الحداثة الفوضوي، متعدد الأجناس والمظاهر، المشبع بالمعلومات حد التخمة.

تبدأ «برلين 69» بسفر صادق الحلواني الصحفي الذي يعمل بوكالة الأنباء الألمانية، إلى برلين الشرقية، ليتعرف إلى المجتمع الألماني من خلال نويمان، لانز بيرنبك وزوجته، فراو إيلين، كاتيا، الأرملة فراو فرويليش، وأنجمار «المرأة التي أحبته بصدق»، وريناتا وهايدي، وغيرهم. كذلك لم تخل برلين من المشرقيين والعرب، حيث التقى الحلواني العراقيين ماجد وفخري، أحدهما كردي برازاني والآخر طالباني، وقادر «من أب عربي وأم ألمانية» وعدنان الفلسطيني، وأوضح السارد المناكفات العربية الكردية، والسجالات السياسية التي تختفي بين المتناكفين حين تحل «النساء» في مساكنهم.
الحلواني شخص محظوظ تقريباً في كل حياته باستثناء علاقته ب«النساء»، يسافر وفي مخيلته أن الغربيات يقعن في «طلة» الشرقي من النظرة الأولى، وأنهن يرغبن فيه، ومع أول فتاة يلاقيها في الغربة، ابنة صاحب المنزل الذي يقيم فيه، يتخيلها قادمة إليه بملابس خفيفة، وبالفعل تزوره لا لتقيم علاقة بل لتخبره أن أباها يريده أن يخلي الغرفة في أقرب وقت، وتتعدد خيبات الحلواني النسائية إلى أن يصادف «أنجمار» التي شاركها السكن في شقتها برفقة طفلها وأبدت رغبتها في الاستقرار معه، قبل أن يفارقها دون سبب معلن.
تصف الرواية مدينة برلين بمقاطعاتها وشوارعها وصفًا سردياً دقيقًا، حتى يمكن أن نعتبر النصّ وثيقة جغرافية للجانب الشرقي من برلين، لكن ترتبط الأماكن لدى الشخوص إما بمأساة عاشتها خلال الحرب العالمية أو بواقع يتسم ب«العزلة» في ظل النظام الديمقراطي، فأنجمار: «عادت بها الذاكرة إلى سنوات الحرب وما بعدها مباشرة، تُبادل السكر عن بوابة براندبورج بالسجائر الأمريكية ثم تسافر إلى بوتسدام وتبادل السجائر بخبز روسي تقطعه شرائح وتدهنها بدبس السكر ليباع للمستحمين على شواطئ البحيرات، ثم تشتري الحطب في محطة هرمان شتراسه، وفي الشتاء تبادله بالقداحات، ثم تذهب إلى ماجدبرج لتبادله بالسكر وتعود لتبادله بالسجائر الأمريكية، وهلم جرا».
ترتسم الصور للشخوص والأماكن بآليات السخرية، من شعب يرى نفسه «مجنوناً»: «نحن الألمان مجانين، نعمل بجنون، وعندما نشعر بالملل نشعل حرباً نخسرها ثم نكرر الأمر، لماذا؟ لأننا نصل دائما متأخرين إلى السوق العالمية»، كما تطال السخرية رموز اليسار والفكر والأدب والسياسة في الغرب، ف «كارل ماركس» عاشق، وقع في حب فتاة أرستقراطية تكبره بأربع سنوات وعمره 16 سنة، ثم تزوجها بعد ثماني سنوات، ونشط في الحركة الاشتراكية السرية، ثم انتقل للحياة في لندن وكانت النقود مشكلته، فقد رفض أن يكون آلة لجمع المال، وعاش هو وأسرته على عائد كتاباته ومساعدات الأصدقاء، وانتحر اثنان من أبنائه السبعة، وكان نادراً ما يستحم، ولذا عانى طوال العشرين سنة الأخيرة في حياته البثور، وكان سعيداً في زواجه الذي لم تمسه سوى فضيحة واحدة عدا علاقته بخادمة المنزل، التي أثمرت طفلًا لم يعترف بأبوته. تتكئ «برلين 69» في لغتها وأساليبها على تقنيات وآليات ما وراء القص، وذلك لتمرير رؤية السارد عن مجتمع بدا مصطنعًا ك «ريناتا» المرأة التي ظهرت جميلة ورفضت أن ترقص الاستربتيز دون أن تفصح عن السبب.
ظهرت كتابات «ما وراء القص» في سبعينات القرن العشرين، ويشير المفهوم إلى «القصّ الذي يجعل من نفسه موضوع حكيه، أو كما أطلقت عليه ليندا هتشيون السرد النرجسي أي الرواية التي تتضمن تعليقًا على سردها وهويتها اللغوية»، الأمر الذي يبدو جلياً في كتابات صنع الله عامة، منذ روايته «تلك الرائحة». وجدير بالملاحظة أن أماني أبو رحمة عملت على مفاهيم «بعد ما بعد الحداثة» أو رؤى وسياقات ما وراء السرد/ القص، مرتكزة على كتابات ليندا هتشيون، وفيكتوريا أورلوفسكي، وباتريشيا واو، وكيت ميتشل، وغيرهن، ولها إصدارات عديدة خلال السنوات الأخيرة، منها: أفق يتباعد، وما وراء القص، والتاريخ والذاكرة الثقافية.
وتهتم الكتابات النقدية المنتمية إلى «ما وراء القص» بالعلاقة بين الواقع والتخييل، استناداً إلى أن الواقع لم يعد قابلاً للفهم، وأن التاريخ ليس أكثر من رواية، هنا يعيد صنع الله إبراهيم كتابة التاريخ، معلقًا بين الحين والآخر على الكتابة، والأحداث، بصوت صنع الله نفسه، ومورطًا نفسه مع الشخصية الروائية.