القاهرة: ياسين محمد

يعبر مسار قناة السويس الجديدة، التي افتتحت قبل عام ونصف العام شرقي جمهورية مصر العربية، على بعد أقل من 8 كيلومترات من موقع تبة الشجرة العسكري، الذي شهد قبل ما يزيد على 40 عاماً، واحدة من أكبر وأخطر المعارك التي دارت أثناء حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، ليتحول بعدها إلى مزار سياحي شاهد على المعركة. يقف الأثر التاريخي ل«تبة الشجرة» على بعد 3 كيلومترات من النصب التذكاري لحرب أكتوبر، ليمثل الاثنان على ضفة القناة شاهدين على الانتصار الذي حققته مصر على الضفة الشرقية لقناة السويس، تراهما السفن المارة بالقناة في رحلتي الذهاب والعودة، بينما يعتبر الموقعان من النزهات المفضلة في مدينة الإسماعيلية، خصوصاً النصب التذكاري الذي يعتبر مكاناً مثالياً لمشاهدة غروب الشمس على بحيرة التمساح وقناة السويس.

تبعد نقطة «تبة الشجرة» نحو 10 كيلومترات من الإسماعيلية، ويلزم للوصول إليها ركوب معديات لعبور فرعي قناة السويس، والسير لمسافة 7 كيلومترات بعمق صحراء سيناء، لتصل إلى أكبر الحصون «الإسرائيلية» التي تحولت، إلى مزار سياحي يمكن زيارته بدفع رسوم بضعة جنيهات.

يقول الجندي المسؤول عن شرح تاريخ الموقع الحربي، إن الاسم العبري للموقع كان «رأس الأفعى المدمرة»، ولكن سمي «تبة الشجرة» لأن التصوير الجوي للموقع أظهر أنه يشبه شجرة، تتحكم في مواقع حصينة بطول خط برليف من منطقة البلاح شمالاً إلى الدفرسوار جنوباً، وهو نفسه المسار الذي حددته هيئة قناة السويس بحفر قناتها الجديدة للملاحة.
ترتفع تبة الشجرة نحو 74 متراً عن سطح البحر، وكانت من أهم نقاط القيادة للجيش «الإسرائيلي»، حيث يتحكم في 8 نقاط حصينة من 18 نقطة كانت تنتشر بطول الخط المنيع الذي تحول في غضون ساعات إلى ركام، بفكرة عبقرية لمهندس مصري كان يخدم في القوات المسلحة. وتضم تبة الشجرة موقعين حصينين متصلين بواسطة أنفاق محصنة، الموقع الأول به مقر القيادة وغرفة العمليات المزودة بالأجهزة المخصصة للاتصال بالوحدات والقيادات الفرعية والقيادة الجنوبية والقيادة العامة، وكذلك الأجهزة والمعدات الإلكترونية ومجموعة الوثائق والخرائط، والموقع الثاني مخصص للعمل الإداري ويضم مكتباً للقائم وأماكن مبيت للأفراد وصالة للطعام ونقاطاً طبية وتزويد الوقود والمغسلة.
وارتفاع الموقع عن سطح البحر يحقق لقواته إمكانية الملاحظة لجميع التحركات غرب قناة السويس، كما يحقق له السيطرة على أجزاء كبيرة من الأرض المحيطة به، وكان هذا الموقع أثناء حرب الاستنزاف بنسبة تحصين أقل مما كان عليه حين سقط عام 73، وكانت «إسرائيل» تتفاخر بالتجهيزات التي تمت لهذا الموقع وزاره العديد من الصحفيين في الفترة ما قبل حرب أكتوبر 1973.
قوة تحصين الموقع حالت دون تدميره لتكوين التحصينات من مكعبات حديدية بها قطع من الحجر الصلد، ويمنع الحديد سقوط الحجارة إن تفتت بفعل الصواريخ لتبقى في كتل شبه خرسانية.
على مدخل المزار التاريخي لوحة تحكي تمكن القوات المصرية خلال يومي 6 و7 أكتوبر من الاستيلاء على النقط القوية الأمامية لخط بارليف في مواجهة مدينة الإسماعيلية وفي يوم 8 أكتوبر تحركت كتيبة مشاة مدعمة بالدبابات للاستيلاء على موقع تبة الشجرة إذ استطاعت الكتيبة ودعمها من حسم المعركة خلال 25 دقيقة بالاستيلاء على أسلحة ومعدات الموقع، وأسر 50% من قوته التي كان قوامها 150 فرداً، ونتيجة للخسائر الفادحة قام الجانب «الإسرائيلي» يوم 9 أكتوبر بتمهيد نيراني من القوات الجوية والمدفعية ودفع كتيبة دبابات مدعمة لاستعادة الموقع إلا أنه فشل في تحقيق أهدافه وتحمل خسائر إضافية في قواته المهاجمة.
في الطريق إلى «تبة الشجرة» يظهر على يمين معدية نقل الركاب بين ضفتي قناة السويس، نصب تذكاري لانتصار حرب أكتوبر 73 على أعلى نقطة بالساتر الترابي على ضفة القناة. أقيم النصب على مساحة 75 فداناً على ارتفاع 66 متراً على شكل «سونكي بندقية»، وافتتح في احتفالات أكتوبر عام 1992، ويضم عرضاً مصغراً من بانوراما حرب أكتوبر المقامة بمدينة نصر، تصف مشاهد حقيقية من المعركة بداية من خطة العبور وحتى المدافع المضادة للدبابات والعربات المصفحة. وجندي آخر بسلاح الإشارة يستقبل الإشارات من القادة ويبلغها للجنود، في الجزء الثاني من البانوراما نرى جندياً من سلاح الخدمة الطبية، الأول يحمل صورة حقيقية للجندي محمد عبد العاطي الذي دمر بمفرده 26 دبابة «إسرائيلية» وتتوسط البانوراما صورة ضخمة لأول جندي رفع العلم المصري على الضفة الشرقية للقناة بعد العبور.
يرتفع النصب في موقع برج استطلاع «إسرائيلي» بمنطقة «نمرة 6» وكان هذا البرج سبباً في استشهاد الفريق عبد المنعم رياض في 9 مارس/آذار 1969، وتتصدر قاعدة النصب قاعة بانورامية تفتح على سلم يؤدي إلى سطح النصب، ويمكن من فوق مشاهدة مشهد بانورامي لمدينة الإسماعيلية، حيث يطل النصب على قناة السويس وتظهر خلفها بحيرة التمساح، وفي الأفق تلوح المنازل الأثرية التي بنيت على طراز فرنسي وتشتهر بها الإسماعيلية.