ترتيب السورة في القرآن (111) وآياتها خمس، وقد تناولت موضوعاً واحداً، حيث سجلت الرد القوي من القرآن الكريم، في مواجهة الحملة الشرسة البذيئة التي قادها كبراء قريش من المشركين ضد النبي - صلى الله عليه وسلم - وضد دعوته، وكان على رأس هؤلاء جميعاً عمه أبولهب، الذي شارك في الحملة بماله وبكل عائلته وكل طاقته.
سميت هذه السورة في أكثر المصاحف (سورة تبت) وكذلك عنونها الترمذي في جامعه وفي أكثر كتب التفسير، تسمية لها بأول كلمة فيها، وسميت في بعض المصاحف وفي بعض التفاسير (سورة المسد)، واقتصر في الإتقان على هذين الاسمين.
السورة مكية بالاتفاق، وعدت السادسة من السور نزولاً، وقد نزلت بعد سورة المدثر والفاتحة وقبل سورة التكوير في الفترة المكية الأولى مع بداية العام الرابع للبعثة.
يوم الصفا
وسبب نزولها على ما في الصحيحين عن ابن عباس، قال: صعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم على الصفا، فنادى «يا صباحاه»، (كلمة ينادى بها للإنذار من عدو يصبّح القوم)، فاجتمعت إليه قريش، فقالوا له: مالك؟ فقال: «أرأيتم لو أني أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم، أكنتم تصدقونني؟» قالوا: ما جربنا عليك كذباً، فقال: «إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد»، فقال أبولهب: تباً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله تعالى: «تبت يدا أبي لهب وتب، ما أغنى عنه ماله وما كسب، سيصلى ناراً ذات لهب، وامرأته حمالة الحطب، في جيدها حبل من مسد».
أبولهب هو عبدالعزى بن عبدالمطلب، عم الرسول - صلى الله عليه وسلم- اشتهر في الجاهلية بأبي لهب، لنضرة وجهه وصفاء بشرته من ناحية، ولحدته وسرعة اشتعال غضبه من ناحية أخرى.
وأم جميل زوجته هي أروى بنت حرب، سليلة بيت من بيوت الجاه والحسب، وهي أخت أبي سفيان، وشاركت في كثير من الإيذاء الذي قابلت به قريش دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - في بادئ أمره.
وكان أبو لهب عم النبي وصهره وجاره الأقرب، بل وطلب تزويج ولديه عتبة وعتيبة من بنتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رقية وأم كلثوم، لكنه استكثر من ناحية على ابن أخيه أن يأتيه وحي السماء من دونه، وهو الذي ظل ينظر إليه باعتباره الطفل اليتيم الذي كفله أخوه أبوطالب، ثم من ناحية ثانية تناقضت مصالحه مع الدعوة الجديدة التي تدعو إلى التوحيد ونبذ تعدد الآلهة.
وتبدو مسألة الكسب والخسارة واضحة من سؤاله النبي - صلى الله عليه وسلم - يوماً، حيث قال له: «ماذا أعطى يا محمد إن آمنت بك؟» فقال الرسول، صلى الله عليه وسلم: «كما يُعطى المسلمون»، فقال أبولهب: ما لي عليهم من فضل؟، فرد عليه الرسول: «أي شيء تبتغي؟» فأجاب بغضب: تباً لهذا من دين أكون فيه مع هؤلاء المستضعفين من المسلمين سواء.
كانت تلك بعض أسباب عداوة أبي لهب للنبي - صلى الله عليه وسلم - يضاف إليها أنه كان يحسن الظن في نفوذه على ابن أخيه، ويثق في قدرته على تخليص قريش من المشكلة التي تُسببها لهم دعوة محمد - صلى الله عليه وسلم - فقال لأهل مكة إن كان الأمر إلى محمد فإن لي عنده يداً، وبما أن الأمر ليس بيد النبي ولا يسعه أن يترك البلاغ عن ربه تلبية لطلب عمه، فقد تحول موقف أبي لهب من رسول الله إلى عداوة جر إليها زوجته وولديه اللذين طلب منهما تطليق ابنتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لهما: رأسي ورأسكما حرام إن لم تطلقا ابنتي محمد، فطلقاهما، وسعى ابنه عتبة في عداوة النبي وجاهر بالكفر بما جاء به، وأطلقت أم جميل زوج أبي لهب لسانها في سب النبي وشتمه، وكانت تنشر الشوك والخبث أمام بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وانخرطت العائلة كلها في معاداة الدعوة الإسلامية، وبذلت محاولات مستميتة لوقفها ومنع النبي - صلى الله عليه وسلم - من البلاغ عن ربه.
«هجانا صاحبك»
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ربيعة بن عباد الديلي وكان جاهلياً أسلم، قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصر عيني بسوق ذي المجاز، يقول: «يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله، تفلحوا» ويدخل في فجاجها، والناس متقصفون عليه، فما رأيت أحداً يقول شيئاً، وهو لا يسكت يقول: «أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله، تفلحوا»، إلا أن وراءه رجلاً أحول، وضيء الوجه، ذا غديرتين، يقول: إنه صابئ كاذب، فقلت: من هذا؟ قالوا: محمد بن عبدالله، وهو يذكر النبوة، قلت: من هذا الذي يكذبه؟ قالوا: عمه أبولهب!
لما نزلت السورة، جاءت امرأة أبي لهب ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالسٌ ومعه أبوبكر، فقال له أبوبكر: لو تنحيت لا تؤذيك بشيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه سيحال بيني وبينها، فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر، فقالت: يا أبا بكر، هجانا صاحبك، فقال أبو بكر: لا ورب هذه البنية، ما نطق بالشعر ولا يتفوه به، فقالت: إنك لمصدق؟! فلما ولت، قال أبو بكر رضي الله عنه: ما رأتك؟ قال صلى الله عليه وسلم: «لا؛ ما زال ملكٌ يسترني حتى ولت».