نشر د. طه حسين في جريدة «السياسة» سلسلة مقالات جمعها في كتاب تحت عنوان «حديث الأربعاء»، واعتمد في كتابتها على كتاب «الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني، وذلك في تصوير الحياة العقلية في الدولتين الأموية والعباسية، وتركز المقالات على مجون طائفة من الشعراء، وما كان لذلك من أثر في حياتهم، ويذهب في مقالاته إلى نتيجة مؤداها أن هذا العصر الذي زالت فيه الدولة الأموية، وقامت فيه الدولة العباسية قد كان عصر شك وعبث ومجون.
لقي هذا الرأي معارضة كبيرة وهجوماً من الأدباء والكتّاب والنقاد، فهم يأخذون عليه باعتماده على كتاب «الأغاني» كمصدر أساسي في كتابته للتاريخ، وتاريخ حياة العرب في هذه الفترة بالذات، ففي جريدة «السياسة» يكتب «رفيق العظم» بتاريخ 7 فبراير 1923 مقالاً عنوانه: «الأستاذ طه حسين» متخذاً شكل الرسالة، قائلاً: «ما يلفت النظر ويستدعي التمحيص والحذر في ذلك الحديث «حديث الأربعاء» حكمكم أن أبا نواس ومن في طبقته أو على شاكلته من الشعراء كانوا مثالاً صادقاً للعصر الذي عاشوا فيه، وأن الرشيد والمأمون ذهبا من الاستمتاع باللذائذ في ذلك العصر مذهب أبي نواس وآخرين من شعراء المجون، وقد سردتم طائفة من الشعراء والأخبار المنسوبة إليهم واستنتجتم منها ذلك الحكم الذي يحتاج إلى تمحيص كثير».
ويقول إن «الحقائق التاريخية لاسيما في تاريخ الإسلام تشير إلى أن الدر الملقى بين أشواك، يحتاج ممن يريد استخراجه من تلك الأشواك إلى أناة وروية ونظر في وجه السلامة من أذى الشوك، ولا نريد أن نذهب بعيداً في مذاهب الشك التي ذهب إليها الأستاذ، وإنما يكفي أن نتنبه مما نقول وهو العليم بما عاناه رواة الحديث، ونقل الأخبار النبوية في تمحيص تلك الأخبار وتنظيفها من شوائب الوضع المكذوب، ولاسيما في أيام الفتنة الكبرى التي انقسم فيها المسلمون إلى شيع سياسية».
وبتاريخ 22 فبراير يكتب طه حسين في «السياسة» مقالاً بعنوان «حديث الأربعاء رداً على نقد كيف نفهم التاريخ»، ومما جاء فيه: «لا يزال العالم الجليل رفيق العظم، وكثير من العلماء المعروفين في الشرق يسبغون على التاريخ الإسلامي صفة من الجلال والتقديس الديني، أو الذي يشبه الدين، تحول بين العقل وبين النظر فيه، نظراً يعتمد على النقد والبحث العلمي الصحيح، فهم يؤمنون بمجد القدماء من العرب وجلال خطرهم وتقديس مكانتهم، وهم يضيفون إليهم كل خير وينزهونهم عن كل شر، ويصفونهم بجلائل الأعمال ويرفعونهم عن صغائرها، وهم يتخذون ذلك قاعدة من قواعد البحث العلمي ومقياساً من مقاييس النقد، فإذا أضفت إلى الرشيد شيئاً فليس هذا الشيء صحيحاً إلا إذا كان في نفسه خليقاً بالرشيد، يليق به وبمكانته، وليست هذه المكانة هي مكانته نفسها وإنما المكانة التي خلعها عليه القدم وبعد العهد وظلال الخلافة وكرامة الدين وسطوة الأمة».
ويقول طه حسين: «أنا أزعم أن القرن الثاني للهجرة كان على شك ومجون، وأزعم أن كل شيء في هذا العصر يؤيد هذا الرأي، وحسبي أن ألفت نظر الأستاذ رفيق بك إلى أن هذا القرن قد بدأ بخلافة الوليد بن يزيد، وختم بخلافة الأمين بن الرشيد، وأحب أن يقارن بين هذين الخليفتين، ثم ألفت نظر الأستاذ إلى بشار ومطيع وأبي نواس، والرفاشي العباسي بن الأحنف ومسلم بن الوليد وحماد عجرد ويحيى بن زياد وابن المقفع وإبان بن عبد الحميد وغيرهم من الشعراء والمفكرين، ولا أريد أن أذكر الفقهاء وأصحاب الكلام مخافة أن يغضب المتحرجون».
ويخصص المازني مقالاً جعله فيما بعد جزءاً من كتاب «قبض الريح» يقول فيه: «لم يكف الدكتور طه حسين أن يعمد إلى طائفة معينة من شعراء العباسيين، وأن يرسم من سيرتهم صورة يزعمها صورة العصر، بل هو ينكر أن غير هؤلاء من العلماء أو الشعراء يمثلون العصر العباسي».
ويستشهد المازني بما قاله طه حسين: «فقد بينا في هذا الحديث أن هؤلاء الشعراء كانوا يمثلون عصرهم حقاً، وكانوا أشد تمثيلاً وأصدق لحياته تصويراً، من الفقهاء والمحدثين وأصحاب الكلام، وأن هؤلاء العلماء على ارتفاع أقدارهم العلمية ومنازلهم الاجتماعية والسياسية، وعلى أن كثيراً منهم كان ورعاً مخلصاً طيب السيرة، لم يأمنوا أن يكون من بينهم من شك كما شك الشعراء في جهرهم».
يوضح المازني: «ليس عندي شك في أن هذا العصر لم يكن عصر إيمان ويقين في جملته، وإنما كان عصر شك واستخفاف وعصر مجون واستهتار بالذات، وما من عصر يمكن أن يكون له جانب واحد كما يريد أن يصور لنا العصر العباسي، وأنه لم يخل زمن قديم أو حديث من مثل ما يصفه الدكتور طه حسين».
لكن المحصلة النهائية التي يصل إليها المازني تؤكد التالي: «قل ما شئت في هذه الفصول، فلن تستطيع أن تنكر أن لها نتيجتين حكيمتين، الأولى أنها جلت ناحية من نواحي تاريخ الأدب العربي، لم تكن واضحة، ولا تبينه، وليس هذا بالشيء القليل، والثانية أن فيها ضرباً من مناهج البحث أحسب أن الأدباء لو يفهمونه لاستطاعوا أن يستغلوا هذه الكنوز القيمة التي لا تزال مجهولة، والتي نشأ من جهل الناس إياها غضهم عن الأدب العربي، وانصرافهم عنه في أنفة وازدراء».