يمثل فن الخط العربي أحد أبرز تجليات الهوية البصرية والثقافية في الحضارة العربية الإسلامية، غير أنه يواجه اليوم تحديات مفصلية في مرحلة أعادت فيها المنصات الرقمية تشكيل الذائقة البصرية، يجد فن الخط نفسه أمام مفترق طرق بين أصالة الإرث والمتطلبات المعاصرة، فلم يعد الخطاط يكتفي بإتقان الحرف وجمالياته، بل بات مطالباً أيضاً بإدارة صورته الفنية وتسويق أعماله داخل الفضاء الرقمي؛ هذا التحول فرض على الخط تحديات جديدة، تتجاوز حدود الإبداع.
وفي هذا السياق، تتداخل إشكاليات التسويق مع طبيعة التلقي المعاصر؛ إذ تجد اللوحة الخطية نفسها في منافسة غير متكافئة مع منتجات بصرية مكررة وسريعة التداول، ما يطرح تساؤلات حول قيمة العمل الفني الفريد وآليات تقديمه للجمهور.
حول هذه التحولات، وتحديداً واقع تسويق اللوحات الخطية بين المهرجانات والمنصات الرقمية، في حوارها مع «الخليج» تقدم الخطاطة نرجس نورالدين، قراءة من داخل التجربة حول إشكاليات الواقع الجديد لفن الخط العربي.
تكشف نرجس نورالدين عن مفارقة لافتة في واقع تسويق اللوحات الخطية داخل المعارض الفنية، فبينما تمثل هذه الفعاليات بحسب رأيها، فضاء للتبادل المعرفي وتطوير التجارب بين الفنانين، فإن دورها تراجع تدريجياً كمنصة فاعلة للاقتناء، لتصبح عملية الاقتناء محدودة، نتيجة ضعف استراتيجيات التسويق الموجهة للبيع، وتشير إلى أن بعض المعارض باتت تركز على الإخراج البصري والتنظيمي للفعالية، مقابل تراجع دورها في بناء جسور مع المؤسسات والجهات القادرة على اقتناء الأعمال، ما يترك عملية البيع رهينة أسماء محددة ومعروفة دون غيرها.
وتنوه الخطاطة نور الدين بأن الإشكالية تتعمق مع ارتفاع أسعار اللوحات الخطية، المرتبط بتزايد كلفة المواد وأدوات الإنتاج، إضافة إلى الجهد والوقت الكبيرين اللذين تتطلبهما الأعمال، خصوصاً في الخط الكلاسيكي، غير أن هذا الارتفاع بحسب قولها، لا يقابله وعي كافٍ لدى الجمهور بقيمة العمل الفني الفريد؛ إذ يميل كثيرون إلى مقارنة اللوحات الأصلية بمنتجات زخرفية مكررة وأقل سعراً، هكذا يتقاطع ضعف التسويق مع فجوة التقدير الثقافي، ليشكلا معاً عائقاً أمام تنشيط سوق اقتناء الخط العربي، رغم غنى التجارب الفنية وتراكم الخبرات لدى المبدعين.
تحولات
في إطار الحديث عن التحولات التي يشهدها فن الخط العربي اليوم، تؤكد الخطاطة نرجس نورالدين أن الرقمنة وبرامج التصميم لا تمثل، في نظرها، خطراً على هذا الفن بقدر ما تقدم له أدوات جديدة تفتح أمامه آفاقاً أرحب، فهي ترى أن التكنولوجيا وجدت لتكون أداة طيعة في يد الخطاط، تساعده على اختصار الوقت والجهد، وتمنحه إمكانات أوسع في التجريب والمراجعة وصياغة التكوينات البصرية، ومن هذا المنطلق، تؤكد أن البرامج الرقمية لا تشكل بديلاً عن اليد والخبرة، وإنما هي وسيلة مساعدة تسهم في تطوير الممارسة الفنية وتوسيع هامش الإبداع، خصوصاً في المراحل الأولى من العمل حيث تتشكل الفكرة وتنمو قبل أن تستقر في صورتها النهائية. وتضيف نرجس نورالدين، ضمن هذا السياق، أن الخطاط المحترف قادر على الإفادة من الرقمنة بصورة ذكية ومنظمة؛ إذ يمكنه أن يبدأ عمله بالاسكتش اليدوي، ثم يستعين بالتقنيات الرقمية في التكبير والتصغير وتجريب أكثر من صيغة للتكوين إلى أن يصل إلى التوازن الجمالي المطلوب، مؤكدة أن هذا التحول لم يلغِ قيمة الجهد التقليدي، ولكنه أعاد تنظيمه وجعله أكثر فاعلية؛ لأن ما كان يستغرق وقتاً طويلاً في السابق بات اليوم أكثر مرونة وسرعة بفضل الوسائط الحديثة، ومن هنا، فإن حضور التكنولوجيا لا يعني بالضرورة تراجع الفن، فقد يكون باباً لتجديد أدواته وصقل حضوره في المشهد البصري المعاصر، إذا ما أحسن الخطاط توظيفها دون أن يفقد صلته بجوهر الحرفة وروحها.
حراك استثنائي
وفي سياق آخر، حول علاقة الأجيال الجديدة بهذا الفن العريق، ترى الخطاطة أن فن الخط العربي ما زال قادراً على مخاطبة هذه الأجيال الجديدة، وهو قادر أيضاً على استقطابها بقوة، رغم هيمنة الصورة الرقمية وتسارع الإيقاع البصري في العصر الراهن، فالمشهد الحالي، من وجهة نظرها، لا يوحي بانحسار هذا الفن، بل على تجدده المستمر؛ إذ تنضم إليه كل سنة وجوه شابة متحمسة لاكتشاف أسراره والتدرج في مدارسه وأساليبه، كما أن التكنولوجيا نفسها، التي يظن البعض أنها تبعد الجيل الجديد عن الفنون اليدوية، سهلت عملياً الوصول إلى المراجع التاريخية والدروس التعليمية، وفتحت أمام المتعلمين أبواباً واسعة للتعلم الذاتي والمتابعة السريعة، وهو ما جعل عملية التكوين أكثر سرعة وانتشاراً، وأبقى الخط العربي حاضراً في الوعي الفني للأجيال الصاعدة.
وتشير نرجس نورالدين كذلك إلى أن الساحة الفنية، خصوصاً في دولة الإمارات، تشهد حراكاً استثنائياً في مجالات الخط العربي وورشاته ومهرجاناته ودروسه المتخصصة، فثمة، بحسب رؤيتها، نشاط متواصل في إمارات الدولة، من خلال المهرجانات النوعية، والدورات الأسبوعية، والمسابقات العالمية، والورش التي يشرف عليها أساتذة أكفاء ينقلون هذا الفن بأمانة ودقة، ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب البيئة أو الضعف في الإمكانات، وإنما في كيفية تحويل هذا الزخم إلى مسار أكثر استدامة يضمن للخط العربي حضوره المؤثر، ويمنح الخطاطين فرصاً أوسع للتطور والانتشار والعيش من فنهم في ظل واقع تغيرت فيه شروط العرض والتلقي بسرعة كبيرة.