حوار: جمال سالم

يشغل الدكتور أحمد عجيبة، العديد من المناصب الدينية، فهو الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في مصر، وعضو مجمع البحوث الإسلامية، وعميد كلية أصول الدين بطنطا، ومن هنا تأتي أهمية الحوار معه حول دور المؤسسات الإسلامية والتنسيق بينها، وكيفية الرد على خصوم الإسلام في الداخل والخارج وتفنيد ما يزعمونه من أكاذيب يخلطون فيها الحق بالباطل وتستهدف التقليل من هيبة علماء الدين وصرف الناس عنهم.. وغير ذلك من القضايا التي طرحناها عليه، وجاءت ردوده صريحة وموضوعية. وفيما يلي نص حوارنا معه:

من خلال موقعكم كأمين عام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية وعضو بمجمع البحوث الإسلامية.. ما ردكم على أن التنسيق والتعاون بين المؤسسات الدينية في العالمين العربي والإسلامي دون المستوى المأمول؟

حتى نكون منصفين فإن التعميم هنا أمر غير موضوعي، لأن كل منظمة أو هيئة إسلامية تقوم بما تستطيعه من جهد في ضوء ظروف البلد الذي توجد فيه، والميزانية المتاحة لها، ومدى الحرية التي تتمتع بها في أداء عملها ليس داخل وطنها فحسب بل والتواصل الخارجي، وأيضا مدى إيمان القائمين على هذه المؤسسات الإسلامية بالتواصل مع نظرائها في العالمين الإسلامي والعربي وتقييمهم لجدوى هذا التواصل، وبالتالي من الظلم التعميم من دون معرفة هذه التفاصيل، ومع هذا فإننا نحترم طموحات وآمال الشعوب في منظماتها الإسلامية، ولكن يجب التماس الأعذار وتقدير الظروف حتى لا تكون هناك فجوة أو قطيعة بين طموحات وتطلعات أبناء الأمة ومؤسساتها الإسلامية.

هل ترى أن هناك مؤامرة من أعداء الإسلام في الداخل والخارج بإطلاق لقب «علماء السلطة» على كل من تولى منصبا عاما في المؤسسات الدينية؟

من مصلحة أعداء الإسلام وجود قطيعة وفجوة وعدم ثقة بين علماء الأمة والرأي العام، لأن العلماء هم ورثة الأنبياء وحملة مصابيح العلم، وبالتالي فإن التقليل من شأنهم وفقدان الثقة فيهم يجعل الأمة تسير في ظلمات الجهل والتخبط، مما يجعلهم صيدا سهلا للمتآمرين، لأن الذئب يأكل من الغنم القاصية، ولهذا حذر الإسلام من هذا الوضع لأن معناه ضياع عزة الأمة، ولهذا قال ربنا سبحانه وتعالى: «وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين».
* لكن بعض العلماء لا يقدر المسؤولية التي يجب أن يتحملها أمام الله وأمام الناس الأمر الذي يؤدي إلى ضياع هيبة العلماء؟
إذا افترضنا جدلاً أن هؤلاء موجودون، فما عددهم مقارنة بعلماء الأمة؟ والتعميم مرفوض شرعا وعقلا، بل يجب أن يقدر كل أمر بقدره من دون تهوين أو تهويل، والأمر الآخر أن هؤلاء الذين لا يقدرون مسؤوليتهم كدعاة أمام الله والناس، هم صنف من اثنين: إما جهلاء ودخلاء على الدعوة وبالتالي من الظلم نسبتهم إلى العلماء، بل إن الإسلام نفسه بريء منهم لأنهم يسيئون إليه، وإما أن يكونوا ممن اجتهدوا فأخطؤوا وهؤلاء يجب التماس العذر لهم وتصحيح أخطائهم لأنهم ليسوا دخلاء، وإنما هم ممن اجتهدوا في ضوء قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر».

الاجتهاد الخاطئ

ألا ترى أن الصنف الأول يدعي أنه من الصنف الثاني ولهذا يجب قبول اجتهادهم حتى وإن وقعوا في الخطأ؟

هذا قول حق يراد به باطل، ثم إن الله تعالى هو المطلع والمحاسب على النوايا والإخلاص فيها، وهؤلاء ينطبق عليهم قول الله تعالى: «يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون. في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون».
من يتأمل سلوكيات هؤلاء فسيجدها أبعد ما تكون عن صحيح الدين ويمقتهم العلماء المخلصون وينصرف عنهم الرأي العام حتى وإن حققوا شهرة إعلامية ولا يتبعهم إلا الذين في قلوبهم مرض مثلهم لأن الطيور على أشكالها تقع، وأمثال هؤلاء عمرهم قليل وسرعان ما يذهبون إلى مزبلة التاريخ.. أما العلماء المخلصون فإن اجتهاداتهم تظل قرونا والتاريخ خير شاهد، أليست اجتهادات كبار علماء الأمة باقية إلى اليوم؟ وأين ذهب أصحاب الآراء الشاذة والباحثون عن الشهرة في كل العصور؟

أدعياء التجديد

لكن لماذا يحتضن الإعلام هؤلاء الضالين المضلين ويحتفي بهم ويقدمهم على أنهم المجددون الذين يقدمون الإسلام العصري؟

التقت نواياهم الخبيثة معا، فأصحاب وسائل الإعلام والعاملون فيها يريدون تحقيق الأرباح الإعلانية والصخب وتحقيق الانتشار الواسع للقناة الفضائية، وبالتالي فإن هدفهم الدنيا ولا يشغلهم كثيرا الإضرار بالدين، وهو هدف الدخلاء وأدعياء الدعوة الذين يطلقون على أنفسهم «مجددون ومستنيرون» فهدفهم الشهرة، وأن يتحدث الناس عنهم ولو باللعنة، وشعارهم «خالف تعرف»، وفي الوقت نفسه تحقيق مكاسب دنيوية ومادية ولو على حساب صحيح الدين فيصدق فيهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يترك عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا».
ما دور المؤسسات الدينية التي تترأسون بعضها وتشاركون في بعضها في محاصرة هؤلاء الأدعياء؟
واجبنا تقديم البديل من العلماء الثقات المخلصين، وهؤلاء كثيرون ولكن وسائل الإعلام لا تسعى إليهم مثل أنصاف العلماء والدخلاء، لأنهم لا يبحثون عن الغريب والشاذ من أقوال الفقهاء أو ينقبون في بطون كتب التراث عن كل مثير، ويتم الترويج له للشهرة، وفي الوقت نفسه فإن العلماء المخلصين لا يجيدون التزلف لأصحاب الفضائيات ووسائل الإعلام بوجه عام.

مناظرات مرفوضة

يطالب هؤلاء الأدعياء بمناظرة كبار العلماء، ولكنهم لا يجدون من يستجيب لدعوتهم، فما السبب؟

السبب الرئيسي أن هؤلاء يبحثون عن شهرة ولا يجيدون أدب الحوار الذي حدده الإسلام في قول الله تعالى: «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن».
ولهذا فإن استجابة كبار العلماء لأمثال هؤلاء يرفع من شأنهم، ويقلل من هيبة العالم المخلص الذي لا يستطيع النزول لمستوى السفه والتطاول الذي يصل لدرجة سوء الأدب في الحديث عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وتابعي التابعين والعلماء، فهؤلاء يتطاولون حتى على خالقهم، ولهذا فإن إهمالهم هو أفضل وسيلة لموت ما يرددونه من أفكار شاذة.

ما البديل الذي يمكن أن تقدمه المؤسسات الإسلامية لتحصين عوام الأمة من هذا السوس الفكري الذي يريد أن يهدم ثوابتها؟

واجبنا تقديم البديل الصحيح الذي يفسد حجج أهل الباطل والأدعياء، وعلى سبيل المثال نحن في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية نصدر أعمالا موسوعية في مختلف العلوم الشرعية والعربية من خلال اللجان المتخصصة، فمثلا أصدرنا بالعديد من اللغات «التفسير المنتخب للقرآن الكريم،»، ويتم توزيعه على المراكز الإسلامية في العالم ليتعرف غير الناطقين بالعربية على تفسير القرآن، وأصدرنا كذلك موسوعة الحديث والسنة النبوية حتى يتكامل دورها مع موسوعة التفسير في تحصين من يقرؤها ضد أي محاولات غزو فكري، واستشعارا من المجلس لخطورة الشبهات التي يطرحها أعداء الإسلام في الداخل والخارج قام المجلس بإصدار، موسوعة الرد على الشبهات في مجلدات عنوانها، «حقائق الإسلام في مواجهة شبهات المشككين».

الأمية الدينية

 لكن البعض يرى أن هذه الموسوعات لا يستفيد منها إلا المتخصصون والعلماء، فماذا قدمتم للقارئ البسيط الذي يعاني من الأمية الدينية ويكون أكثر تأثرا بآراء الدخلاء؟
بالطبع لم نغفل هؤلاء، بل إننا نضعهم في قمة اهتمامنا، فالمجلس يصدر سلاسل كتب بأسعار مخفضة جدا وتصدر بانتظام، وكتب أخرى مدعومة لتكون في متناول الجميع، وتتناول مختلف القضايا المثارة على الساحة والرد عليها وتفنيدها بالحجة والبرهان، ويقوم مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر بالدور نفسه، من خلال إصدار كتب في مختلف القضايا وبسعر زهيد.

التعايش السلمي

من مؤلفاتكم «نصارى نجران بين المجادلة والمباهلة» فما الدروس المستفادة من هذا اللقاء بين الرسول صلى الله عليه وسلم ونصارى نجران في الرد على من يشككون في إمكانية تعايش المسلمين مع غيرهم من أتباع الأديان الأخرى؟

الإسلام منذ عهد النبوة وحتى قيام الساعة هو دين السلام والحوار والتعايش، ويؤكد ذلك علاقته بغيره من أتباع الأديان وعلى رأسها «وثيقة المدينة»، التي حددت حقوق وواجبات من يسكن في المدينة من المسلمين وغيرهم من أهل الأديان الأخرى، وقد جاء وفد نصارى نجران إلى المدينة المنورة بعد أن تلقى خطابا من رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم فيه إلى الإسلام أو الجزية أو الحرب، ولم يكن وفد نجران يريد الإسلام، ولذلك كثر الجدال بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم، وكثر إلقاء الشبهات والرد عليها، وكان مما قالوه: ما لك تشتم صاحبنا - يقصدون عيسى عليه السلام - وتقول إنه عبد الله؟ فأكد لهم الرسول أن هذا ليس انتقاصا أبدا من مكانة عيسى عليه السلام، لأن العبودية لله تشريف، وهو من أولي العزم من الرسل، وكلمة الله ألقاها إلى مريم عليها السلام التي يكرمها الإسلام، بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم أكرمهم وسمح لهم بالإقامة في مسجده، بل وأداء بعض صلواتهم فيه رغم أنهم رفضوا المباهلة قائلين، «ما باهل قوم نبياً إلا هلكوا»، ورضوا بالجزية فأرسل معهم أبا عبيدة بن الجراح، فهذا دليل عملي على أنه لا إكراه في الدين وأن الإسلام ليس دينا دمويا كما يريد أعداؤه تقديمه للبشرية للتنفير منه، وللأسف يستندون في ذلك لتصرفات الجهلاء ممن ينتسبون إليه ويسيئون إليه أكثر من أعدائه.
البعض يريد حبس الإسلام داخل دور العبادة فقط حتى لا يكون له دخل في الحياة.. بماذا تفسر ذلك؟
للأسف، هذا ما يقوم عليه الفكر الغربي المعاصر المتحلل من كل الأديان، وقد أعطى السلطة العليا في الحياة للعقل، باعتباره «إله الكون» من وجهة نظرهم، ويحاول الغرب حاليا فعل الشيء نفسه مع الإسلام وتقوية التيارات التغريبية والعلمانية في العالمين العربي والإسلامي والتي تريد حبس الإسلام في المساجد حتى يكون القرار في النهاية «لا مكان للدين في حياة المسلمين»، الذين عليهم أن يتبعوا خطوات الغرب ويتخذوا منه مثلا أعلى حتى ينهض العالم الإسلامي ويتقدم ويتخلص من الرجعية التي يعد الدين أحد أسبابها الرئيسية كما يزعم الغرب، وللأسف فإن هذا التيار يتم الترويج لأفكاره ويتولى أتباعه المناصب القيادية في بعض دولنا.