اختتمت مساء أمس الأول في معهد الشارقة للفنون المسرحية عروض مهرجان أيام الشارقة المسرحية، بعرض مسرحية «قضية ظل الحمار» من تأليف فردريش دورينمات، وإخراج أنس عبدالله، الذي تمثل هذه المسرحية أول تجربة إخراجية له، بعد أن خاض تجارب تمثيلية في مهرجان المسرحيات القصيرة، وفي مهرجان الإمارات لمسرح الطفل، وهذا العرض هو ثاني العرضين المستضافين من الدورة الماضية من مهرجان الشارقة للمسرحيات القصيرة.
تحكي «قضية ظل الحمار» عن نزاع بين صاحب حمار وطبيب أسنان استأجره ليوصله على حماره إلى إحدى البلدات كي يعالج أحد مرضاه، وفي الطريق كان الحر شديداً جداً، وكانا في صحراء قاحلة، فنزل الطبيب وجلس يستظل بالحمار، فاعترض صاحب الحمار على ذلك بحجة أن ظل الحمار لا يدخل في الاتفاق بينهما، ولا يحق للطبيب أن يستظل به إلا إذا دفع أجراً مقابله، فغضب الطبيب، واشتد النزاع بينهما، فقررا العودة إلى المدينة التي جاءا منها ليحتكما إلى قاضيها، وهناك يحاول القاضي أن يصلح بينهما، لكنّ كلاً منهما تشبث بموقفه، مما اضطره إلى تحديد موعد لجلسة محاكمة، فاستأجر كل منهما محامياً، وبدأ كل طرف يحشد الدعم الشعبي لموقفه، حتى اتخذت القضية أبعاداً أوسع وأصبحت قضية رأي عام، فانقسمت المدينة إلى حزبين، أحدهما في صف صاحب الحمار، والآخر في صف الطبيب، وانشغل الناس بها عن شؤون حياتهم، وأصبح الاحتجاج والاحتشاد في الاتجاهين هو الشغل الشاغل للمدينة. في يوم المحاكمة احتشد الناس فئتين في قاعة المحكمة، ودعي المحاميان إلى تقديم مرافعتيهما في «قضية ظل الحمار»، وتحدث محامي الطبيب ببلاغة وبراعة، حتى ليُخيّل للجمهور أن الطبيب وحده هو الذي على صواب، وفعل محامي صاحب الحمار مثل ذلك حتى أظهر صاحبه بأنه مظلوم من مجرم عاتٍ، وينبغي إنقاذه منه على الفور، وبعد ذلك سمح لممثلين من الطرفين أن يدلوا بآرائهم في القضية، فتحدث ممثل جمعية الرفق بالحيوانات الذي هو في صف صاحب الحمار، وقال إن الطبيب مجرم لأنه يركب الحمار ويضطهده، ولا تأخذه به رأفة، وأخيراً ها هو يستغل ذلك الحمار المسكين، ولا يريد أن يدفع مقابل ذلك، فهو مجرم حقيقي، تنبغي إدانته بالجرم المشهود، أما رئيس رابطة مصدري القرميد، وهو من صف الطبيب، فقد بنى مرافعته على أن المدينة تسعى إلى أن تكون نظيفة حديثة، وأن الطبيب بمهنته التي يقوم بها هو عنوان النظافة، وكل محاولة لإعاقته عن عمله، هي إعاقة لمسيرة نظافة البلد، كما أن الحمار هو عنوان للأوساخ والمخلفات التي تشوه وجه المدينة، وهو يزعج السياح الأجانب ولذلك ينبغي التخلص منه فوراً، وبعد هذه المرافعات يشتد الجدال بين المجموعتين، وتشتبكان بالأيدي، ويحدث إظلام.
في الظاهر، يقدم دورينمات مسرحية ساخرة، لكنه في العمق يبين خطر الدعاية وقدرتها الهائلة على تزييف الواقع، وإظهار الكذب في ثوب الحق، واستغفال الجماهير لجرها وراء وهم الحقيقة، وزيف الادعاء، فقضية «ظل الحمار» مشكلة مفتعلة من صاحب الحمار، لكنه استطاع أن يحولها إلى دعوى قضائية، ثم إلى قضية رأي عام، ويحشد لها الجماهير، وهكذا يمكن في عالم الدعاية أن تتحول أتفه الأمور إلى رأي عام تتحرك الجماهير المغفّلة للدفاع عنه، وتنشغل به عن القضايا الأساسية في حياتها، ويجد فيها السياسيون وقادة المجتمع المدني فرصة للظهور وزيادة شعبيتهم. لقد استطاع المخرج أنس عبدالله تجسيد هذه الرؤية على خشبة المسرح برشاقة وفنية عالية، استخدم فيها حلولاً إخراجية جيدة مع مسحة كوميدية خفيفة بعيدة عن الافتعال، وكان متحكماً بشكل واضح في الممثلين - رغم عددهم الكبير وهو ثمانية عشر ممثلاً، واستخدام حلول إخراجية مبتكرة تدل على وعي بدلالة الاختيارات الفنية على الخشبة، وتتجلى تلك الحلول في استعانته بالراوي ما مكنه من الاستغناء عن الكثير من الفقرات والحوارات داخل النص، وكذلك التمثيل التعبيري للأشياء، حيث مثل للحمار بقطع من المكعبات الخشبية، ولبوابة المدينة بجنديين يشبكان رمحين في الأعلى ليمر من تحتهما المارة، وأشرك جمهور القاعة في الحدث عندما خرج الممثلون الذين يمثلون الشعب من القاعة، إشارة إلى أن الجمهور هو الشعب، لم يخل العرض من بعض الصراع الذي لم يستطع المخرج التغلب عليه، كما بدا أداء بعض الممثلين أقرب إلى التدريب، منه إلى التمثيل المحترف لا سيما في الحوار، فكانت تضيع منهم بعض الكلمات التي يرجعون إليها في ما بعد.