إعداد: محمد هاني عطوي

منذ فجر التاريخ والإنسان مفتون بتلك الأجسام الطيارة اللامعة التي تشتعل وهي تدخل في جو الأرض، واعتبرها الإنسان الأول رسائل قادمة من أعماق الكون تحمل له الخير والشر معاً. ويبدو أن هذه الحجارة الساقطة من السماء شهدت عصراً من التبجيل الطويل من قبل الحضارات الكبرى، إذ كان الفرعون توت عنخ آمون يملك خنجراً من الحديد النيزكي. وحتى قبل زمن سكان بلاد الغال الذين كانوا يخشون أن تسقط السماء على رؤوسهم بفترة طويلة كانت النيازك مخيفة، وثمة اعتقاد عند بعض الأمم يقول بأن طلب أمنية أثناء مشاهدة شهاب في السماء يؤدي إلى تحقيق هذه الأمنية. وسواء صح ذلك أم لم يصح فالنيازك تحدثنا عن أصولنا، وبالتحديد أصل الأنظمة الشمسية.
تمكن العلماء من خلالها من التأريخ لنظامنا الشمسي بشكل دقيق (4.567 مليار سنة) بل إن اكتشاف أحد هذه النيازك في مكان ما على الأرض يمكن أن يحدث ثورة في معرفتنا لتاريخ تشكل الكون. ويلخص ماثيو غونيل، رئيس مجموعة النيازك في المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي (MNHM) الأمر بالقول: من المعروف أن الديناصورات تعرضت للإبادة بسبب جسم نيزكي يبلغ قطره حوالي 10 كيلومترات قبل 66 مليون سنة.

أضرار كبيرة

اليوم يطمئننا ماتيو جونيل أنه يمكن للعلماء الكشف عن هذه الأجسام الخطرة مسبقاً من قبل وكالات الفضاء الكبرى، وذلك على غرار أكبر الكويكبات 2012 TC4، التي اقتربت من الأرض في 12 أكتوبر الماضي. ولكن الأمور تصبح أكثر تعقيداً عندما يتعلق الأمر بالأجسام الأصغر من 100 متر. الدليل على ذلك أن النيزك الأخير الذي استأثر بعناوين الصفحات الأول والذي ضرب ضواحي مدينة تشيليابينسك، بروسيا، في 15 فبراير 2013 كان لا يزيد قطره على 17 متراً علماً بأنه دخل في الغلاف الجوي قبل أن يتفكك إلى قطع على ارتفاع حوالي 23 كيلومتراً، وأطلقت موجة الصدمة الناجمة عن انفجاره طاقة تعادل 440 كيلو طن من مادة تي ان تي ( أي 30 ضعف قوة قنبلة هيروشيما)، وانتشرت على الأرض، مما تسبب في أضرار كبيرة وجرح أكثر من ألف شخص، ولحسن الحظ، يعتقد الخبراء أن هذا النوع من الأحداث يحدث مرة واحدة فقط كل مئة سنة، ويذكرون أن 70٪ من سطح كوكبنا مغطى بالمحيطات.
ويقول بيير فيرنازا، من مختبر الفيزياء الفلكية في مرسيليا (نرس/ إينسو): «إن التوازن المتناقض في ضوء التقدم التكنولوجي، يفسره تطور أسلوب حياتنا، فقد عثر الناس في القرن الماضي على نيازك أكثر لأنهم كانوا يعيشون في الريف أما اليوم فالناس يفضلون قضاء أمسياتهم أمام التلفزيون ولذلك، فإن مشاهدة مثل هذه الأحداث السماوية يبدو أقل خاصة أن 95٪ من هذه الأحداث خفيفة ولا تؤدي إلى آثار ملحوظة على الأرض، لكن ينبغي أن نعلم أن ما بين 5 إلى 25 نيزكاً يسقط على الأرض سنوياً.
ويشير فرانسوا كولاس من مرصد باريس إلى أن هذا لا يمنع من تغير الأمور فجأة، ففي العام 2011 حلق فوق منطقة بريتاني نيزكان دون العثور عليهما على الأرض وحينها حدثت ضجة في وسائل الإعلام وقد اتهم العلماء بإخفاء المعلومات، وبعد ذلك بعامين، بدأ مجموعة من الباحثين بتطبيق فكرة وضع كاميرات للمراقبة في جميع أنحاء فرنسا ويقول فرانسوا: قدمنا مشروعنا إلى الوكالة الوطنية للبحوث في الفترة التي تلت سقوط نيزك تشيليابينسك، وقد ساهم هذا الحدث ربما في قبول عرضنا وربما تكون السماء قد قدمت لنا المساعدة أيضاً لأنها ساهمت برفع الحظر عن 550 ألف يورو الضرورية لتشغيل شبكة
(فريبون) Fripon (Fireball Recovery and InterPlanetary Observation Network). في المجمل تم تركيب مئة كاميرا واسعة المجال (360 درجة) ليتم التحكم فيها عن طريق شركة «شلياك» بجرونوبل وما زالت منتشرة.
ويقول كولاس: «وضعنا هذه الكاميرات ضمن شبكة تغطي مسافة قدرها 70 إلى 100 كيلومتر بين كل محطة. وكانت مرحلة التثبيت أطول مما كان متوقعاً، لأن المواقع كانت أكثر تعقيداً مما كان يعتقد. وصممت هذه الكاميرات كي تعمل لمدة عشر سنوات، وذلك على مدار أربع وعشرين ساعة في اليوم ولثلاثمائة وخمسة وستين يوماً في السنة. ومن هنا جاء اختيار المواقع العامة وغير الخاصة لضمان عمل الشبكة لدى مختبرات البحوث، ونوادي علم الفلك، والمتاحف، والبلانيتاريومز (القباب الفلكية)، والبلديات أو حتى بعض الجامعات.

تجميع البيانات

يقول الفلكي بيير فيرنازا من مرصد باريس: «الصعوبة الرئيسية تكمن في تركيب أجهزة الكمبيوتر، مع نطاق عرض مستمر لنقل الملاحظات بشكل مباشر فضلاً عن أنه يتم تجميع البيانات على الخوادم الكبيرة لجامعة باريس سود (أورساي) قبل أن يتم تحليلها في مختبرات مختلفة مثل مختبر مرسيليا. ويقول فرانسوا كولاس: اليوم، وبفضل «فريبون»، لا يمكن لأي نيزك يمر فوق سماء فرنسا أن يفلت منا، فكل صباح، يتلقى الباحثون التنبيهات على هواتفهم الذكية لما حدث في الليل وهي تتضمن عدد الشهب المشاهدة في كل كاميرا وكذلك الشهادات البصرية. واعتماداً على تألقها وخاصة مسارها الملاحظ بين 100 و 20 كيلومتراً فوق مستوى سطح البحر، يمكن تحديد طبيعة الجسم الساقط.
ويقول سيلفان بولي، من مختبر علوم الأرض (باريس-سود، أورساي): يمكننا أن نحصي ما بين 6 إلى 7 شهب في المتوسط في الليلة الواحدة خاصة عندما يكون الطقس صحواً وخالياً من الاضطرابات ولكن معظم هذه الأجسام صغير جداً ويتفكك في الغلاف الجوي. من ناحية أخرى، فإنه يحدث أن يصبح الشهاب نيزكاً وحينها يستحق منا تحليلاً دقيقاً وهذه هي الحال عادة إذا بقي الجسم مضيئاً على ارتفاع يقل عن 30 كيلومتراً وفي هذه الحالة يستخدم المختصون عدة كاميرات، ومن خلال عملية التثليث (علم المثلثات)، يتمكنون من قياس مساره، ثم يحددون مسار «القطع الناقص» لموقع سقوطه الدقيق فضلاً عن سرعته، وشكل النيزك، وقياس تأثير دوبلر، والظروف الجوية. كل ذلك يؤثر بلا شك في خوارزميات أجهزة الكمبيوتر.
ويضيف سيلفان: نأمل تحقيق دقة تبلغ 100 متر على موقع السقوط، وهو ما يترجم إلى محيط من البحث يبلغ عشرة كيلومترات مربعة وعندها تبدأ مرحلة «مطاردة الفطر»، وهي المرحلة الأكثر حساسية لأنها تتعلق بالعثور على الجسم الساقط والتقاطه من على الأرض بطرق حرفية وغير ملوثة.
وتوضح بريجيت زاندا، الباحثة في شبكة فريبون: أنه بمجرد وصول النيزك إلى الأرض فإنه سرعان ما يتلوث بالماء أو بتربة الأرض وكلما وجدناه بشكل أسرع كانت قابلية استغلاله علمياً عالية لتبدأ حينها المطاردة الحقيقية، من خلال تنظيم جماعات بحث في الموقع يصل عددها إلى خمسين شخصاً.

أربع طرق لمعرفة حجر النيزك

قد يصعب أحياناً على الإنسان العادي التفريق بين حجر النيزك الذي هبط من السّماء، والحجر العادي الذي هو من الأرض، إلا أنّ هنالك بعض الاختبارات التي يمكن لنا إجراؤها على أيّ حجر مشتبه بأنّه نيزك، لنتيقّن الحقيقة. هنالك نيازك ذات مظهر حجري، وأخرى ذات مظهر حديدي، وأيضاً نجد نيازك تُعرف بالمختلطة؛ ومن المعروف أنّها من حيث الوزن أثقل عادة من الصخور والأحجار العاديّة، وتؤثّر العوامل الجويّة في النيازك التي سقطت قديماً أكثر من السّاقطة حديثاً؛
أولاً فحص تأثّر الحجر بالمغنطة: من المعروف أنّ النيازك في المجمل يدخل في تركيبتها الحديد، ولذلك علينا تمرير المغناطيس عليها، وفي حال انجذابها إليه فهذا دليل على أنّها ليست حجراً عادياً، وربّما تكون نيزكاً.
ثانياً فحص تأثّر الحجر بالاحتكاك: وذلك عن طريق حكّ قطعة الحجر المشكوك بأنّها نيزك، بقطعة سيراميك كالموجودة في أرضيات المنازل، فإن تركت لوناً شبه أسود كقلم الرصاص فهذا الحجر من نوع المغنيتايت، وهو حجر عادي ولكنه ينجذب للمغناطيس، وإن ترك لوناً بنياً قريباً من اللون الأحمر، فإنّ هذا الحجر من نوع الهيماتيت، وهو حجر عادي أيضاً وينجذب للمغناطيس، وإن لم يترك هذا الحجر أيّ أثرٍ، فإنّه ربّما يكون نيزكاً، إلاَّ أنّ هنالك بعض أنواع النيازك قد تترك لوناً رمادياً خفيفاً على السيراميك.
ثالثاً فحص الحجر عن طريق المِبْرَد: إذ علينا أن نحكّ قطعة الحجر بشكل خفيفٍ بواسطة مبرد، وذلك بإذابة طبقة سطحية خفيفة من هذا الحجر، ونعمل على مراقبته من كافة جوانبه، فإن بدت لنا نتيجة الاحتكاك بعض الشظايا اللامعة والمعدنيّة في الحجر، فإنّه على الأغلب قد يكون نيزكاً.
رابعاً فحص الحجر عن طريق النيكل: تُعرف النيازك بكلّ أنواعها، إن كانت حجرية أو حديديّة بأنّها تحتوي على النيكل، ولذلك يتمّ وضع مادة حمضية هي Dimethylglyoxime، فإن كان هذا الحجر نيزكاً، فإنّ النيكل الموجود فيه يتحوّل إلى لونٍ ورديّ، كونه يتأثّر ويتفاعل مع هذا الحمض، أمّا في حال عدم تلوّنه، فإنّه بلا شكّ خالٍ من النيكل وهو حجر عادي.

تثقيف عشاق الفلك

يقول فرانسوا كولاس: النيزك الذي عبر الغلاف الجوي ووصل إلى الأرض له شكل معين وتحيط به قشرة انصهارية ذات لون أسود غامق جداً، ويمكن التعرف إليه بسهولة، ولكن لمسه باليد هو الأمر المهم للغاية؛ إذ يجب أن يتم ذلك وفقاً لجيومورفولوجية المكان أي أن يكون عاماً أو خاصاً، فضلاً عن يقظة السكان المحليين. وعلى سبيل المثال أطلق هذا العام الباحثون في شبكة Fripon صفارة الإنذار مرتين لحالة «سقوط نيزك» في إبريل 2017 في سان جيرمان لافال (في منطقة روان) وفي أغسطس في لافيرتي سان سير قرب منطقة تشامبور، وفي كل مرة، كان فريق البحث يعود خالي الوفاض. ويقول فرانسوا كولاس: في الحالة الأولى، تم حساب مسار النيزك المرصود بشكل سيئ، وفي المرحلة الثانية، أدت طبيعة التضاريس (الغابات) إلى تعقيد المهمة إلى حد كبير.
من جهتها تقول بريجيت زاندا: في كل مرة كنا نتعرض فيها للقصف النيزكي، كنا نشعر بالدهشة الشديدة للتعبئة السكانية وهذا أمر مهم يعزز مهمتنا التثقيفية حول هذه الأجسام السماوية ومشروع مثل ( فريبون ) ينبغي أن يكون له مثيل في كل أنحاء الأرض، في موازاة ذلك، تقوم زاندا بإدارة برنامج علمي تشاركي يدعى «فيجي-سكاي» لتثقيف عشاق علم الفلك في اصطياد النيازك. والهدف تشكيل جيش من المراقبين يكونون على استعداد للتحرك في حالة سقوط نيازك جديدة وذلك على غرار فيلم «إس أو إس أشباح» الشهير 1984، حيث كانت في الفيلم مجموعة تسمى «إس أو إس نيازك»!