هناك، حيث الأجواء الخاصة، تأخذك إلى عمق التاريخ، ليستحق اعتبار المكان قبلة سياحية ذات دلالة تاريخية وأثرية.
على امتداد شارع الوحدة في قلب «غزة القديمة» يقع «قصر الباشا»، الذي يعتبر أهم ما بقي من مباني العمارة الإسلامية لما يحتويه من بناء وفنون وزخارف ونقوش، ويضم في داخله آثاراً مكتشفة في قطاع غزة منذ العهد الإغريقي، وآثاراً كثيرة تروي قصصاً وحكايات مرت بها غزة عبر الأزمنة والعصور.
كان «قصر الباشا»، يضم قديماً، إضافة للمبنى الرئيسي، مباني ملحقة كمبنى الحريم «الحرملك» ومسجد خاص بالقصر، وسجن صغير كان يسمى في العهد اليوناني ب «دبويه»..
تاريخ
حمل القصر تاريخياً عدداً من الأسماء حسب ما توالى على المدينة من عهود وحكام، فقد عرف في العهد المملوكي بقصر النائب نسبة إلى نائب الحاكم الذي كان مقر إقامته، وسمي أيضا بقصر «دار السعادة»، أو «الباشا»، في العهد العثماني، نسبة إلى البشوات الذين كانوا يتولون أمور الحكم في غزة، ويطلق عليه البعض اسم «قلعة نابليون»، لأنه كما تؤكد كتب التاريخ أقام به نابليون ثلاثة أيام بعد عودته خائباً، وقد انهزم في معركة عكا، وأثناء حكم آل رضوان لغزة نسب القصر إليهم فأصبح يعرف باسم «قصر الرضوان».
وقالت الباحثة في علوم الآثار نبيلة مليحة إن القصر بني في العصر المملوكي زمن القائد الظاهر بيبرس الذي استقر في غزة إبان خلاف الملكة شجرة الدر وعز الدين أيبك، قبل أن ينضم إلى الحاكم محمود قطز ويتحدان في مواجهة التتار والمغول، وهو ما تؤكده نقوش الأسود، المحفور بداخلها لفظ الجلالة مرتين، كرمز للخطر المحدق بالأمة وهو ما اتخذه بيبرس ختما وشعاراً عندما أصبح حاكم الدولة المملوكية.
وتسرد مليحة تاريخ المكان، وتقول: بقي القصر يستخدم من قبل الولاة المماليك حتى نهاية دولتهم، وبقي قصراً للحكم في عهد الدولة العثمانية، حتى في عهد الانتداب البريطاني على فلسطين كان مقر القائد العسكري، لكن بعد تولي الإدارة المصرية لشؤون قطاع غزة تحول إلى مدرسة كانت تعرف «بمدرسة الأميرة فريال» شقيقة الملك فاروق الأول ملك مصر والسودان، أما بعد الاحتلال «الإسرائيلي»، أهمل المكان عن عمد وبقي أحد أقسام المدرسة التي تحول اسمها إلى «فاطمة الزهراء»، وبعد تأسيس السلطة الفلسطينية 1994 عاد الاهتمام إلى هذا الصرح العظيم، وخضع للترميم على أيدي خبراء آثار أعادوا له طبيعته الأولى وسلطوا عليه الأضواء من جديد كأهم المباني التي ما زالت قائمة وتشير إلى عراقة مدينة غزة وبصمتها في التاريخ الإسلامي.
أركان القصر تعاقبت ممالك ودول وبقي قصر الباشا شامخاً يحكي للأجيال قصة التاريخ بلغته المعمارية الفريدة، حيث بصمة الفن الإسلامي في كل ركن فيه، يعبر عن امتداد فلسفة العمارة الإسلامية في العصر المملوكي.
يتكون القصر من مبنيين منفصلين، يشكلان فيما بينهما ساحة وسطية بخلاف الساحة الرئيسية للمبنى، ويتكون كل مبنى من طابقين اختلف استخدامهما لكل من سكن المكان واستغله، فالمبنى الكبير «الشمالي» كان يستخدم مقرا للحكم لما يمتاز به من عناصر معمارية مميزة كالزخارف الهندسية الإسلامية والتي تزين واجهاته، وأعتاب المداخل كالأطباق النجمية والمقرنصات وبعض الزخارف النباتية المحورة، والدعامات السائدة والعقود التي تزين المداخل حيث استخدم فيها الأحجار الجيرية والرخامية الملونة.
وتقول مليحة إن الواجهة المميزة للمبنى الرئيسي والتي تعد من أجمل الواجهات بناء ومن أرقاها فناً وزخرفة تدل على اهتمام المماليك سواء السلاطين أو الأمراء بالعمارة في فلسطين، وما بذلوه ليتركوا بصمة واضحة لهم في هذه المدينة الاستراتيجية لهم من الناحيتين العسكرية والتجارية.
وأضافت: توجد في واجهة البوابة الرئيسية للقصر، زخارف جميلة داخل إطار حجري، وعلى الجانبين ما يعرف ب «رنك بيبرس» وهو شعار الأسدين داخل دوائر، وهي الرمز الخاص للسلطان الظاهر بيبرس، بعد توليه أمر حكم غزة التي أقام بها وارتبطت به كثيرا لدرجة أنه وبعد انتقاله للعيش في عاصمة الدولة المملوكية زار المدينة أكثر من ثماني مرات.
ويتكون الطابق الأول، والحديث لمليحة، من ثلاث غرف خصصت لاستقبال زائري الحاكم، وعند الانتقال إلى الطابق الثاني المكون من غرفتين عبر درج خارجي بني بذات الطريقة والأسلوب الفني الرائع، الغرفة الكبرى هي ديوان الحكم حيث يجلس الأمير ومن حوله حاشيته، ومنها درج إلى أعلى سطح المبني يطل على مدينة غزة بالكامل عبر درج رخامي ومن فوقه قبة مخروطية جميلة، أما الغرفة الأخرى فقد كانت تخصص لاستراحته.
وفي ذات المبنى بالطابق السفلي في الجهة الشرقية غرفة للسجن كانت مخصصة لسجن النساء، ومن خلال نفس البوابة درج إلى أسفل القبو حيث يوجد السجن المؤقت للرجال، وفي المكانين هناك شبابيك بنيت بغرض إدخال الضوء تطل مباشرة على المسجد العمري وتساعد الشمس على دخول المكان كلما أشرقت.
أما في الجهة الجنوبية المقابلة للمبني الرئيسي فيقع المبنى الثاني بالقصر، والذي كان مخصصاً للحرس والعسكر، ويتكون من غرفتين وسطح، يسمح بالإطلال على المكان المجاور للمراقبة، وبه غرفة أخرى خصصت كسجن أيضا، وما زال جزء منه باقياً على حاله بالأبواب القديمة نفسها، والتي بقيت على حالها، وتدل الدراسات التي أجريت أنه هناك قبو أسفل هذا المبني اندثر مع الزمن وغطي بالأتربة والطريق، ويحتاج إلى إعادة ترميم لأنه بالتأكيد يحتوي على كثير من الكنوز، وسيضيف مادة قوية حول القصر واستخداماته أيضاً في شتى العصور.
متحف
قبل نحو خمسة أعوام تم تحويل «قصر الباشا» إلى متحف، وباتت حجراته باحاته تحتوي على مكتشفات أثرية جمعت من كل أماكن قطاع غزة، بينها عملات معدنية وألواح لتوابيت وأدوات زينة وفخاريات.
ويحتوي المتحف على خمس صالات عرض رئيسية أطلق عليها أسماء مدن عريقة في فلسطين التاريخية، في الطابق الأرضي قاعة حيفا ويعرض فيها المكتشفات اليونانية والبيزنطية، التي امتاز فيها العصر اليوناني بدقة مشغولاته حيث اشتهروا بميلهم للفنون والفلسفة، أما العصر البيزنطي امتاز بالعملية لكونهم فرساناً اشتهروا بالحرب وفنونها.
أما قاعة يافا، فتحتوي على الآثار الرومانية التي شكلت الفخاريات الجزء الأكبر منها، وبجوارها تقع قاعة القدس التي احتوت على الآثار في العصور الإسلامية على اختلاف الممالك والدول، وفي الطابق العلوي هناك مكتبة المتحف وعلى صغر مساحتها إلا أنها تحتوي على مخطوطات وكتب تاريخية قيمة تخص المكتشفات المعروضة وغيرها الكثير، وتقع أيضاً في ذات الطابق قاعة عكا والتي تعتبر بانوراما المتحف حيث تتنوع معروضاتها بدءاً من العصر الحجري إلى البرونزي فالكنعاني ثم الحديدي وهي آثار موغلة في القدم وذات قيمة تاريخية عالية.
وأخيرا قاعة الرملة التي تعتبر قاعة المرأة لمحتوياتها التي تحكي قصة جمال المرأة على مر العصور، حيث يعرض فيها أدوات الزينة والحلي مصنوعة من البرونز والعاج، وقوارير زجاجية كانت تستخدم للعطور وتماثيل مصنوعة من الرصاص لأسود كانت تزين أبواب منازل الوجهاء والقادة.