د. عادل أحمد الرويني
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)، (النساء: 135).

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيدًا)، (النساء: 136).
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً). (النساء: 137).

إضاءة: ذهب الطبري إلى أن الآية الكريمة نزلت بسبب واقعة ابن أبيرق عندما سرق الدرع ورماها في بيت يهودي، واتهم هو ومناصروه من بني ظفر اليهودي بسرقتها ظلما، وشهدوا على اليهودي بغير القسط. وقال السدي: نزلت في اختصام غني وفقير عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ومناسبة الآية الكريمة أنه تعالى لَمَّا ذكر قبلها النساء والنشوز والمصالحة أعقبه بالقيام بأداء حقوق الله تعالى، والشهادة لله، أو لأنه لما ذكر تعالى طالب الدنيا وأنه - سبحانه - عنده ثواب الدنيا والآخرة، بَيَّنَ أن كمال السعادة أن يكون قول الإنسان وفعله لله تعالى.. أو لأنه - سبحانه - لما ذكر قصة ابن أبيرق واجتماع قومه على الكذب والشهادة بالباطل.. أعقب ذلك بأن أمر عباده المؤمنين بالقيام بالعدل والشهادة لوجه الله - سبحانه وتعالى. وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - في معنى الآية: كونوا قوامين بالعدل في الشهادة على من كان.
السؤال: ما سر التعبير بصيغة المبالغة (قوامين) في الآية الكريمة؟
الجواب: حتى لا يكون منهم جور ما. فهذا أمر من الله تعالى للمؤمنين بأن يكونوا مبالغين في اختيار العدل، وتجنب الجور والميل. والله أعلم.
فعل وقول
السؤال: ما سر تقديم الأمر بالقيام بالقسط على الأمر بالشهادة في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِالْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ)؟ (النساء: 135).
الجواب: أجاب صاحب البحر المحيط عن ذلك بقوله: (لأن القيام بالقسط أعم، والشهادة أخص، ولأن القيام بالقسط فعل وقول، والشهادة قول فقط).
وكان الفخر الرازي أكثر إيضاحا وتفصيلا حيث قال: «إنما قدم الأمر بالقيام بالقسط على الأمر بالشهادة لوجوه:
الأول: أن أكثر الناس عادتهم أنهم يأمرون غيرهم بالمعروف فإذا آل الأمر إلى أنفسهم تركوه، حتى إن أقبح القبيح إذا صدر عنهم كان في محل المسامحة وأحسن الحسن، وإذا صدر عن غيرهم كان في محل المنازعة، فالله - سبحانه - نبه في هذه الآية على سوء هذه الطريقة، وذلك أنه تعالى أمرهم بالقيام بالقسط أولاً، ثم أمرهم بالشهادة على الغير ثانياً تنبيهاً على أن الطريقة الحسنة أن تكون مضايقة الإنسان مع نفسه فوق مضايقته مع الغير.
الثاني: أن القيام بالقسط عبارة عن دفع ضرر العقاب عن الغير، وهو الذي عليه الحق، ودفع الضرر عن النفس مقدم على دفع الضرر عن الغير.
الثالث: أن القيام بالقسط فعل، والشهادة قول، والفعل أقوى من القول».
اختلاف التقديم والتأخير
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)، (النساء: 135).
وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)، (المائدة:8) فلِمَاذا قُدِّمَ قوله (بالقسط) في آية النساء، وأُخِّر في آية المائدة؟
الجواب: بني السياق السابق في آية النساء على الأمر بالعدل والقسط: (الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) (النساء:76) (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) (النساء 82)، وتوالت الآيات بعد على هذا المعنى، فَقُدِّم قوله (بالقسط)؛ ليناسب ما ذكر. وأما آية
المائدة فثبت قبلها الأمر بالطهارة ثم تذكيره - سبحانه - بتذكر نعمه، والوقوف مع ما عهد به إلى عباده والأمر بتقواه فناسب قوله تعالى: «كونوا قوامين لله» ثم أتبع بما بني على ذلك من الشهادة بالقسط فكان من الملائم تأخير قوله: «بالقسط» في المائدة وتقديمه في النساء انسجاما مع السياق السابق على كل منهما.
ولأبي حيان الأندلسي تعليل دقيق لهذا التقديم والتأخير في الآيتين حيث يقول: (التي في النساء جاءت في معرض الاعتراف على نفسه وعلى الوالدين والأقربين فبدئ فيها بالقسط الذي هو العدل والسواء من غير محاباة نفس ولا والد ولا قرابة وهنا (في سورة المائدة) جاءت في معرض ترك العداوات والإحسان فبدئ فيها بالقيام لله تعالى أولا؛ لأنه أردع للمؤمنين ثم أردف بالشهادة بالعدل، فالتي في معرض المحبة والمحاباة بدئ فيها بما هو آكد وهو القسط، وفي معرض العداوة والشنآن بدئ فيها بالقيام لله فناسب كل معرض بما جيء به إليه، وأيضا فتقدم هناك (النساء) حديث النشوز والإعراض، وقوله: «ولن تستطيعوا أن تعدلوا» وقوله: «فلا جناح عليهما أن يصلحا» فناسب ذكر تقديم القسط هنا (النساء)، وتأخر ذكر العداوة فناسب أن يجاورها ذكر القسط).
منتهى الفصاحة
السؤال: ما سر مجيء (لو) في قوله تعالى: (شهداء لله ولو على أنفسكم...)؟ (النساء: 135).
الجواب: مجيء (لو) هنا لاستقصاء جميع ما يمكن فيه الشهادة، لما كانت الشهادة من الإنسان على نفسه بصدد ألا يقيمها لما جُبِلَ عليه المرء من محاباة نفسه ومراعاتها، نبه على هذا الحال. وجاء هذا الترتيب في الاستقصاء في غاية من الحسن والفصاحة، فبدأ بقوله: «ولو على أنفسكم» لأنه لا شيء أعز على الإنسان من نفسه، ثم ذكر الوالدين وهما أقرب إلى الإنسان وسبب نشأته، وقد أمر ببرهما وتعظيمهما والحوطة لهما، ثم ذكر الأقربين وهم مظنة المحبة والتعصب. وإذا كان هؤلاء أمر في حقهم بالقسط والشهادة عليهم، فالأجنبي أحرى بذلك. والآية تعرضت للشهادة عليهم لا لهم، فلا دلالة فيها على الشهادة لهم كما ذهب بعض المفسرين. والله أعلم.
السؤال: ما سر تعليق الشرط ب (إن) في قوله: (وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا)؟
الجواب: في الآية وعيد وتهديد لمن يُحَرِّف الشهادة أي عن الشهادة بالحق أو الحكم بالعدل، ومن يعرض عن صاحب الحق أو المشهود له فإن الله يجازيه على فعله وقوله. ولأن الخطاب للمؤمنين ويستبعد منهم التحريف في الشهادة أو الإعراض عن صاحب الحق جيء بأداة الشرط (إن) التي تدل على الشك في وقوع الشرط في المستقبل تحفيزاً لهم وترغيباً في أن يكونوا قوامين بالعدل في الشهادة على من كان، وبأن يثبتوا على قول الحق ولا يخافوا فيه لومة لائم. والله أعلم.
إضاءة: لما أمر الله تعالى المؤمنين في الآية السابقة بأن يكونوا قوامين بالقسط، شهداء لله، أمرهم هنا بما هو جامع لمعاني القيام بالقسط والشهادة لله وبَيَّن أنه لا يتصف بذلك إلا من كان راسخ القَدَم في الإيمان بالأشياء المذكورة في الآية فأمر بها.
السؤال: لماذا قُدِّم ذِكْر الرسول على ذِكْر الكتاب في قوله تعالى: (آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله؟ ولِمَ عكس ذلك عند الحديث عن مراتب الكفر في قوله تعالى: (ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله...) (النساء: 136)؟
الجواب: الترتيب في الآية الكريمة بناء على الترتيب الوجودي واللقائي، بيان ذلك أن في مرتبة النزول من معرفة الخالق إلى الخلق يكون الكتاب مقدماً على الرسول، فالكتاب ينزل أولا بواسطة الملك ثم يتلقاه الرسول منه وفي مرتبة العروج من الخلق إلى الخالق يكون الرسول مقدماً على الكتاب. قدم ذكر الرسول على ذكر الكتاب في جانب مراتب الإيمان، لأن الرسول أول ما يباشره المؤمن، ثم يتلقى الكتاب منه.
مراتب الإيمان والكفر

السؤال: لِمَ ذُكِر في مراتب الإيمان أمور ثلاثة: الإيمان بالله وبالرسول وبالكتاب؟ وذكر في مراتب الكفر أمور خمسة بزيادة الكفر بالملائكة واليوم الآخر في الآية الكريمة؟
الجواب: لأن الإيمان بالله وبالرسول وبالكتاب متى حصل فقد حصل الإيمان بالملائكة واليوم الآخر لا محالة، ولما كان احتمال ادعاء إنسان أنه يؤمن بالله وبالرسول والكتاب ثم ينكر الملائكة واليوم الآخر، لمَّا كان ادعاء ذلك قائما نص على أن منكر الملائكة ومنكر القيامة كافر بالله. فمن كفر بأحدهما لا يوصف بوصف الإيمان والله أعلم.
الثبات على الإيمان
السؤال: ما الغرض من الأمر في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا آمِنوا بالله ورسوله...)؟ (النساء: 136).
الجواب: الغرض من الأمر الدوام والثبات، أي يا أيها الذين آمنوا داوموا على إيمانكم واثبتوا عليه.