على المدخل الرئيسي للمدرسة العليا للفنون الجميلة في العاصمة الجزائرية، وُضع لوح منذ التأسيس، كتبت عليه 3 كلمات اختصرت المسار: «البداية كانت حلماً». صاحب اللوح هو المهندس الفرنسي ليون كلارو، مصمم هذا الصرح الثقافي الفني الكبير، الكلمات الثلاث تلخص دراسة المهندس لعشرات من الشهادات، وجدها في الأرشيف بشكل مخطوطات، وقد تركها فنانون فرنسيون أبهرتهم طبيعة الجزائر الخلابة، وضياؤها، وصفاء سمائها، وتميز لباس أهلها وعاداتهم، فبادروا قبل 175 سنة بتأسيس «مدرسة الرسم» في حي القصبة العتيق، أقدم وأبهى أحياء المدينة وقتها.
انطلقت أشغال بناء المدرسة في نسختها الأولى عام 1840، ودشنت بعد ثلاث سنوات، لتبدأ بها عملية «تلقين فن الرسم وتهذيب النفس»، كما جاء في بيان افتتاح الموسم الدراسي الأول، وخلال اجتماع المجموعة المبادرة بالتأسيس جرى الحديث مطولاً عن محيط المدرسة المناسب. وأكد الحضور حسب ما ورد في محضر الاجتماع المحفوظ في أرشيف المدرسة حتى الآن بأن هذا المحيط مساعد على تنمية ملكات الأطفال الميالين للرسم، فالجزائر كانت بالنسبة للفرنسيين الذين دخلوها محتلين قبل عشر سنوات، عالماً جديداً مبهراً واكتشافاً زاهياً، بآفاق أرحب وطبيعة أكثر تنوعاً، وجاذبية، من تلك التي خلفوها وراءهم في أوروبا.
بدأ المشروع متواضعاً باسم «المدرسة الحرة للرسم» يقوم عليها 4 فنانين، وكانت كل الأماكن الدراسية محجوزة للأوربيين وحدهم، ولم يكن بوسع السكان من عرب وبربر الجزائر الالتحاق بها، وبعد نحو 40 عاماً من العمل، تخرج العشرات من الفنانين المهرة، الذين جعلوا من التشكيل بمختلف أنواعه ميزة من ميزات المدينة، وكبرت طموحاتهم واتسعت آفاقهم، بعدما تجاوزت شهرة مدرستهم حدود العاصمة، بفضل عشرات المعارض التي نظموها في مدن جزائرية وأوروبية عدة، فغيروا اسمها إلى «المدرسة الوطنية للفنون الجميلة»، لتضاهي المدارس الأوروبية من حيث المستوى الدراسي والشهادات التي تمنحها.
في سنة 1901 نقلت المدرسة إلى بناية أكبر وأجمل على الواجهة البحرية للمدينة، وسمح القائمون عليها للجزائريين هذه المرة بالانتساب إليها، فاعتمدوا نمطين للتدريس، أحدهما خاص بالأوروبيين، ويتلقون فيه دراسة كاملة وشاملة بوسائل راقية، على قواعد عالية المستوى في النظري والتطبيقي، وآخر خاص بالجزائريين يتيح لهم إتقان الصناعات الحرفية، وعند نهاية المشوار التعليمي يتخرج الأوروبيون برتبة «فنان»، والجزائريون بمستوى «حرفي».
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، طالب المنتسبون للمدرسة بتطبيق المساواة، كما كانت الحال في المجهود الحربي، حيث شارك الفرنسيون والجزائريون بنفس المستوى في معارك تحرير فرنسا من النازية، ولم تجد الإدارة الاستعمارية بداً من الرضوخ لمطالبهم، فتغير نظام التعليم بالفعل، وصار بإمكان «المسلمين الصغار»، كما كانوا يلقبونهم، دراسة تخصصات عصرية في الفنون الجميلة، بعد ما كانوا لا يتعلمون إلا الصناعة الحرفية، وفي ظرف سنوات قليلة بدأت أسماء فنانين جزائريين تظهر وتتألق، وغزت عشرات من قاعات العروض في أوروبا نفسها، وتحملت مسؤوليات كبيرة في ترقية فن الرسم بمختلف فروعه بالمدرسة، كما ساهمت في تقديم مؤلفات كبيرة متخصصة عززت المكتبة التشكيلية، ومن هؤلاء نذكر الأخوين محمد وعمر راسم، ومصطفى بن دباغ ومحمد تمام وآخرين لمعوا في سماء الفن التشكيلي والمنمنمات والنحت والزخرفة الفنية، وتجاوزت شهرتهم حدود الجزائر.
ذاع صيت المدرسة وصارت قطباً فنياً كبيراً، تستقبل طلاباً من الجزائر وفرنسا، وبعثات من تونس والمغرب ودول أوروبية أخرى، ولم يعد مبناها قادراً على استيعاب كل طلبات الانتساب، لذلك تقرر بناء مدرسة جديدة واسعة وعصرية، بمكان مميز على مرتفعات مدينة الجزائر، يشرف على قطاع واسع من المدينة وعلى البحر في منظر بانورامي بديع، ولا تزال حتى اليوم شامخة على ذلك الموقع بين القصور والإقامات الرسمية المملوكة للدولة، وأهمها «قصر الشعب» مقر الرئاسة في عهد الرئيسين أحمد بن بيلا وهواري بومدين، ودامت الأشغال وعملية التهيئة 3 سنوات بين سنة 1954 و1957، ورغم أن انطلاقها صادف اندلاع حرب الاستقلال (1954 1962)، فإن أبواب المدرسة ظلت مفتوحة لاستقبال الطلاب الفنانين، وأحدثت نظاماً جديداً في التخصصات بالشكل الآتي:
} الفنون الجميلة: وتشمل الرسم الزيتي والمائي على الخشب والقماش والزجاج، وكذا النحت وتصاميم التماثيل وما إليها.
} الفنون الإسلامية: و تتركز خاصة حول المنمنمات والخط العربي والزخرفة.
} الهندسة المعمارية: وتخص المباني وفنون الديكور الداخلي والخارجي والبستنة، وكل ما يتصل بتزيين المحيط.
وخلال هذه الفترة، ظهر جيل جديد من الفنانين الجزائريين البارعين، سجلوا أسماءهم بحروف من ذهب، وخلّفوا أعمالاً خالدة وعبروا بريشتهم عن معاناة الشعب الجزائري وكفاحه البطولي خلال ثورة التحرير، من بينهم: محمد إسياخم ومحمد خدة والفنانة باية، وعلي مسيلي وعلي خوجة ودونيز مارتيناز، وآخرون، ثم تأتي مرحلة أخرى وهي المرحلة ما بعد الاستقلال، إذ انطلق التجديد والتطوير في النظام التعليمي بإنشاء دوائر جديدة متخصصة بأنواع التكوين المختلفة وأضيفت مواد جديدة منها الفنون التخطيطية وتاريخ الفن وتاريخ الحضارة، وجرى تغيير هيكلي كبير، وأصبحت الفنون المعمارية تدرس في مدرسة مستقلة، ابتداء من عام 1973 كما تعززت برامج الفنون الجميلة والفنون الإسلامية، باستخدام الوسائل العصرية لتدريسها، وتغير اسم المدرسة مرة أخرى في عام 1985، إلى «المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة»، ويحصل الطالب بعد تخرجه على «الشهادة الوطنية العليا في الفنون الجميلة»، وهي شهادة معترف بها ليس من الدولة الجزائرية فحسب بل وفي المدارس العليا عبر العالم.
عرفت الفترة بين 1980 و1990 ظهور جيل جديد يضيف أسماء أخرى لتثري عالم الفنون الجميلة، جيل ينفرد بمهمة متميزة، وهي الاهتمام بتاريخ الجزائر والتعبير عنه عن طريق مؤلفاتهم ولوحاتهم وبورتريهات وميداليات منقوشة، ترسخ الذكريات، ذكريات تحمل تاريخاً عريقاً صنعته شخصيات مهمة تفتخر بها الجزائر بحضارتها وبثورتها المجيدة، نذكر من بين هؤلاء الفنانين: حسين زياني، وشريف صالح، وراشد جماعي، ومحمد بوكرش، و رابحي لخضر، ومصطفى بوعمامة، وآخرين.
تعمل المدرسة على إثراء الثقافة الجزائرية وإنماء التراث الجزائري، وتكوين فنانين تشكيليين ونحاتين وخطاطين ومنمنمين وفنانين، في مختلف التخصصات الذين يعملون بعد التخرج على تطوير الفن، وترقية الثقافة، كونهم يدرسون مادة الفنون الجميلة في المدارس الثانوية، ويحصل الطلاب عند التخرج على شهادة عليا معترف بها دولياً، تمكنهم من التسجيل في كليات الفنون الجميلة الأجنبية، لمتابعة الدراسات والبحوث وتحضير شهادات أعلى، وأوكلت لعدد كبير من المتخرجين من المدرسة مهمة تصميم كل النياشين والميداليات والتماثيل والأوراق النقدية، وكل ما يرمز للدولة الجزائرية. وتصطف في أروقة المدرسة وحديقتها الفسيحة عشرات من اللوحات الزيتية والتماثيل والتحف الفنية المختلفة، أنجزها الطلاب خلال دراستهم، كما زينت أعمالهم الدراسية الشوارع والساحات والواجهات، وأروقة المؤسسات الرسمية، بما فيها رئاسة الجمهورية.