تبعد منطقة «مزيد» 20 كيلو مترًا عن وسط مدينة العين، وتتميز بتاريخها العريق خلال الفترة الإسلامية المتأخرة اعتمادًا على الدلائل والمكتشفات الأثرية التي قامت بها في المنطقة دائرة الثقافة والسياحة خلال مواسم التنقيبات وأعمال المسوحات الأثرية في الأعوام السابقة، وتتميز «مزيد» بتنوع وتعدد معالمها الثقافية والتاريخية، أهمها فلج مزيد وقرية وقلعة مزيد التي تعد من أكبر القلاع الموجودة في منطقة العين، كما يشكل الموروث الأدبي الذي تناقلته الأجيال عن «قرية مزيد» مصدرًا مهمًا للمعلومات التي تتعلق بطبيعة حياة سكانها في الماضي.
يتحدث حمدان راشد الراشدي رئيس وحدة المباني التاريخية والطبيعية في إدارة البيئة التاريخية في دائرة أبوظبي للثقافة والسياحة وعضو في الفريق الوطني والتنقيب الأثري في دولة الإمارات عن منطقة «مزيد» في الفترة الإسلامية المتأخرة (القرن 18-20)م قائلًا: اكتشف هانس جيبل الآثاري الألماني المتخصص في عصور ما قبل التاريخ في العام 1982 / 1983 وجود الأحافير البحرية التي تعود إلى أزمنة جيولوجية قديمة تقدر بنحو سبعين مليون سنة في منطقة «مزيد» وتحديدًا في جبل حفيت إضافة إلى اكتشاف وجود تلال صغيرة تميل إلى اللون الأسود تنتشر على سطحها أدوات من حجارة الصوان، وهي مؤرخة للعصر الحجري الحديث، وكذلك مدافن حفيت التي تعود إلى العصر البرونزي المبكر 3200 ق م، حيث سكنت منطقة «مزيد»جماعات محلية دفنت موتاها في مقابر شيدت من الحجارة على مناطق من سفوح الجبل الشرقية والشمالية على طول امتداده وأول من نقب في هذه المدافن البعثة الدنماركية عام 1962.
ويقول: هناك عوامل عدة يجب ربط بعضها مع بعض لنصل إلى تصور حول حياة السكان في منطقة مزيد في الفترة الإسلامية المتأخرة، ومن أهم هذه العوامل التنقيبات الأثرية في فلج «مزيد» عام 2011، حيث يعتبر نظام الفلج أقدم الأنظمة المائية التي تم اكتشافها أثريًا في الإمارات، وأثبتت التنقيبات أن أقدم فلج تم الكشف عنه يعود إلى الفترة الحديدية أي حوالي 1200ق.م أي منذ 3000 عام من الآن، وأثر نظام الأفلاج في طبيعة الاستيطان والانتشار في المناطق المختلفة جغرافيًا تبعًا لإمكانية وجود نشاط زراعي في المنطقة، ما يؤثر أيضًا في طبيعة المجتمعات من الناحية الاجتماعية والاقتصادية، ويمثل مناخ وطبوغرافية الدولة عاملًا مهمًا من العوامل التي جعلت الإنسان يعتمد بشكل شبه أساسي على المياه الجوفية التي تستخرج من باطن الأرض، وبواسطة الأفلاج استطاع أجدادنا الاستفادة من المياه الجوفية ونقلها من أماكن بعيدة بما يتناسب مع حاجاتهم وأماكن استقرارهم.
يضيف الراشدي: ومن الأجزاء التي تم الكشف عنها في تنقيب فلج «مزيد» 2011، والتي تثبت وجود هذا النظام المائي أربعة شواهد أولها مجرى مائي تم تسقيفه مرتين الأولى على سطح الأرض وقد تمت إزالتها في السابق ربما لضرر لحق بالفلج، أما التسقيف الثاني وهو الأساسي فهو عبارة عن مجموعة من الألواح الحجرية المتراصة يتخللها تربة متماسكة محشوة بالحجارة الصغيرة عملت لتغطية الفراغات بين الحجارة، وغطت مجرى القناة المنقب عنها بالكامل، وقد جلبت المواد المستخدمة من المنطقة المحيطة بالموقع، ويتراوح عرض مجرى القناة بين 65 و70 سم على طول امتدادها، ويبلغ طول المجرى المائي المنقب عنه حوالي 32.5، كما تم الكشف عن وجود جدار، يمر تحت هذا الجدار مجرى مائي، وقد يعود سبب بناء هذا الجدار نتيجة ضعف ونقص المياه، فيعمل الجدار على تجميع المياه ومن ثم يقوم الناس بمد أذرع جديدة مع زيادة قوة دفع المياه أو ربما يكون عكس ذلك تمامًا، حيث تتلخص وظيفة الجدار في حجب الشعاب المائية المنحدرة من الجبال المحيطة بالمنطقة نتيجة الأمطار لحماية ثقبة الفلج من تدفق المياه وارتفاع منسوب مجرى الفلج أعلى سقف المجرى مما يؤدي إلى تضرره أو تهدمه، وقد يكون الاختيار البنائي في تلك الفترة لهذه المنطقة تحديداً لبناء الجدار بسبب تمركز تجمع المياه فيها لانخفاضها الطبيعي مقارنة ببقية أنحاء المنطقة، ويتكون الجدار من ألواح حجرية متوسطة الحجم من نفس نوعية الحجارة المتوفرة في جبل حفيت غطي بطبقة كلسية متماسكة، واتضح أن نهاية أساس الجدار على عمق 76 سم تقريبًا، ويبلغ سمك الجدار53 سم، ولم نستطع تمييز عدد المداميك بسبب وجود الطبقة الكلسية التي تغطي الجدار من الخارج والداخل، أما الثقبة وهي عبارة عن بناء يشبه البئر متصل بقناة الفلج شكلها الخارجي يشبه إلى حد ما المربع مكسوة بطبقة كلسية رملية بأكملها، ولوحظ وجود فتحة تؤدي إلى مجرى الفلج، وقد كانت هذه الفتحة مغلقة بإحكام حتى تم التنقيب عنها وإزالة طبقة من اللبن والحجارة وربما يكون سبب إغلاقها بإحكام أن الناس في تلك الفترة كانوا يقومون بفتحها في فترات زمنية متباعدة لتنظيف مجرى الفلج في حالة تراكم الأتربة وغيرها من المخلفات لضمان جريان المياه في مجرى الفلج بصورة سلسة.
وعن نتائج التنقيبات الأثرية التي أجريت في موقع قرب قلعة مزيد في عام 2010، يقول: أثبتت أعمال التنقيب وجود جدار من اللبن ساقط طوله بضعة مترات وله امتدادات ربما كان عبارة عن جدران لمساكن قائمة، وبالقرب من الجدار توجد أساسات جدار لحجرة مكونة من مدماك واحد من اللبن على شكل حجرة مستطيلة، وتحتوي الحجرة على بقايا من الرماد وكسر فخارية لأواني الطبخ وكسر من عظام الحيوانات.
وعن تاريخ قلعة مزيد وأهم معالمها، يقول: يعود تاريخ بناء القلعة إلى أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، شيدت كرمز للسلطة والقوة بهدف حماية الحدود، وكانت القلعة مقراً للإقامة الصيفية، وتعتبر من أكبر القلاع الموجودة بالمنطقة، وهي من المباني المحصنة، يتميز طرازها بالمخطط المركزي الذي يتكون من ساحة مركزية مكشوفة تحيطها المشتملات من الجهات الأربع الرئيسية، والشكل العام لها عبارة عن مبنى مستطيل الشكل، ويشتمل مخططها الأرضي على ثلاثة أبراج دائرية ضخمه تقع في زواياها الشمالية الشرقية والشمالية الغربية والجنوبية الشرقية، أما زاويتها الجنوبية الغربية فيشغلها عدد من الغرف تتكون من دورين، يضم الدور العلوي منها غرفتين متصلتين مع بعضهما وهما بمثابة مجلس صيفي، ويقع المدخل الرئيسي للقلعة في الجهة الشمالية محاذياً للبرج الشمالي الشرقي.
ويقول: بعد كل هذه الشواهد من المكتشفات الأثرية وروايات الناس الشفهية نستطيع أن نكوّن صورة عامة حول حياة السكان المحليين الذين عاشوا في هذه المنطقة في القرن 18-20م، حيث ثبت وجود الفلج، وممارسة السكان للنشاط الزراعي من زراعة أشجار النخيل ومختلف المحاصيل الزراعية، مما شجع على بناء المساكن ومنها القلعة كمبنى إداري للمنطقة والتي سميت بساء المنطقة، وعثر على عملات معدنية تعود للفترة الإسلامية المتأخرة في هذه المساكن، وهذا يدل على ازدهار المنطقة ووجود علاقات اقتصادية مع المدن المجاورة.
تضم قلعة ومدافن تعود إلى العصر البرونزي
«مزيد».. ثقافة وتاريخ عريق
28 سبتمبر 2018 04:01 صباحًا
|
آخر تحديث:
28 سبتمبر 04:01 2018
شارك
العين: هديل عادل